الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢٣ - خبره مع حجار بن أبجر
فقال محمّد بن عمير بن عطارد- و كان عدوّا لحجّار- أيّها الأمير، إنه لشاعر، و أشعر منه الّذي يقول:
شعر الفرزدق في بشر بن مروان
لبشر بن مروان على كلّ حالة
من الدهر فضل في الرخاء و في الجهد
قريع قريش و الّذي باع ماله
ليكسب حمدا حين لا أحد يجدي [١]
ينافس بشر في السماحة و النّدى
ليحرز غايات المكارم بالحمد
فكم جبرت كفّاك يا بشر من فتى
ضريك، و كم عيّلت قوما على عمد [٢]
و صيّرت ذا فقر غنيّا، و مثريا
فقيرا، و كلّا قد حذوت بلا وعد [٣]
خبره مع حجار بن أبجر
فقال بشر: من يقول هذا؟ قال: الفرزدق، و كان بشر مغضبا عليه، فقال: ابعث إليه فأحضره، فقال له: هو غائب بالبصرة، و إنّما قال هذه الأبيات و بعث بها لأنشدكها و لترضى عنه، فقال بشر: هيهات! لست راضيا عنه حتى يأتيني، فكتب محمّد بن عمير إلى الفرزدق، فتهيّأ للقدوم على بشر، ثم بلغه أن البصرة قد جمعت له مع الكوفة، فأقام و انتظر قدومه، فقال عبد اللّه بن الزّبير لمحمّد بن عمير في مجلسه ذلك بحضرة بشر:
/
بني دارم هل تعرفون محمّدا
بدعوته فيكم إذا الأمر حقّقا [٤]
و ساميتم قوما كراما بمجدكم
و جاء سكيتا آخر القوم مخفقا [٥]
فأصلك دهمان بن نصر فردّهم
و لا تك و غدا في تميم معلّقا
فإن تميما لست منهم و لا لهم
أخا يا ابن دهمان فلا تك أحمقا
و لو لا أبو مروان لاقيت وابلا
من السوط ينسيك الرّحيق المعتقا [٦]
أ حين علاك الشيب أصبحت عاهرا
و قلت اسقني الصّهباء صرفا مروّقا [٧]
تركت شراب المسلمين و دينهم
و صاحبت وغدا من فزارة أزرقا [٨]
نبيتان من شرب المدامة كالّذي
أتيح له حبل فأضحى مخنّقا
فقال بشر: أقسمت عليك إلّا كففت، فقال: أفعل أصلحك اللّه، و اللّه لو لا مكانك لأنفذت
[١] أجدى: أعطى.
[٢] كلمة «كفاك» ساقطة من ج، ب، س و قد أثبتناها عن ط، مط. و الضريك: الفقير السيئ الحال. عيلهم: أهملهم.
[٣] حذوت: قدّرت.
[٤] دارم بن مالك بن حنظلة: بطن من تميم: و محمّد: هو محمّد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي سيد تميم الكوفة.
و الدعوة في النسب بالكسر: أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه و عشيرته.
[٥] السكيت: الّذي يجيء آخر حلبة الخيل.
[٦] كذا في ط، مط. و الّذي في باقي الأصول «وائلا»؛ و هو تصحيف.
[٧] الصهباء: الحمر. و الصرف: الخالص، ذكر الوصف حملا على المعنى، أي شرابا صرفا مروقا. و الرحيق: الخمر أو أطيبها.
[٨] أزرق، أي أزرق العين، أي شبيه بالروم، و كان العرب يكرهون الروم و هم زرق العيون، فكانت الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، و كذا قالوا في صفة العدو. أزرق العين.