الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٠ - وأده بناته في الجاهلية
٤- أخبار قيس بن عاصم و نسبه
نسبه
هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس. و اسم مقاعس الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. و يكنى أبا عليّ. و أمّه أمّ أصعر بنت خليفة بن جرول بن منقر.
بعض صفاته
و هو شاعر فارس شجاع حليم كثير الغارات، مظفّر في غزاوته. أدرك الجاهليّة و الإسلام فساد فيهما. و هو أحد من وأد بناته [١] في الجاهليّة، و أسلم و حسن إسلامه، و أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و صحبه في حياته، و عمّر بعده زمانا، و روى عنه عدّة أحاديث.
وأده بناته في الجاهلية
أخبرني عمّي الحسن بن محمّد قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عليّ بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ عن أبيه قال:
وفد قيس بن عاصم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فسأله بعض الأنصار عما يتحدّث به عنه من الموءودات الّتي وأدهنّ من بناته؛ فأخبر أنه ما ولدت له بنت قطّ إلّا وأدها. ثم أقبل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يحدثه فقال له: كنت أخاف سوء الأحدوثة و الفضيحة في البنات، فما ولدت لي بنت قطّ إلا وأدتها، و ما/ رحمت منهن موءودة قطّ إلّا بنيّة لي ولدتها أمّها و أنا في سفر، فدفعتها أمّها إلى أخوالها فكانت فيهم؛ و قدمت فسألت عن الحمل، فأخبرتني المرأة أنّها ولدت ولدا ميّتا. و مضت على ذلك سنون حتى كبرت الصبيّة و يفعت، فزارت أمّها ذات يوم، فدخلت فرأيتها و قد ضفرت شعرها و جعلت في قرونها شيئا من خلوق [٢] و نظمت عليها ودعا، و ألبستها قلادة جزع [٣]، و جعلت في عنقها مخنقة [٤]/ بلح: فقلت، من هذه الصبيّة فقد أعجبني جمالها و كيسها؟ [٥] فبكت ثم قالت: هذه ابنتك، كنت خبّرتك أنّي ولدت ولدا ميّتا، و جعلتها عند أخوالها حتّى بلغت هذا المبلغ. فأمسكت عنها حتى اشتغلت عنها، ثم أخرجتها يوما فحفرت لها حفيرة فجعلتها فيها و هي تقول: يا أبت [٦] ما تصنع بي؟ و جعلت أقذف عليها التّراب و هي تقول: يا أبت أ مغطّى أنت بالتّراب؟! أ تاركي أنت وحدي و منصرف عني؟! و جعلت أقذف عليها التراب ذلك حتى واريتها و انقطع صوتها، فما رحمت أحدا ممن واريته غيرها. فدمعت عينا النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم ثم قال: «إنّ هذه لقسوة،
[١] وأد ابنته: دفنها حية.
[٢] الخلوق: ضرب من الطيب.
[٣] الجزع بالفتح (و يكسر): الخرز اليماني الصيني، فيه سواد و بياض، تشبه به الأعين.
[٤] المخنقة: القلادة.
[٥] الكيس: العقل.
[٦] يا أبت: التاء فيه عوض من ياء المتكلم، و يجوز فيها الفتح و الكسر، و سمع فيها الضم أيضا. قال في «التسهيل»: «و جعلها هاء في الخط و الوقف جائز»، و رسمت في المصحف بالتاء؛ قال الدماميني: «فرسمها بالتاء أولى».