الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٦ - هجاؤه ابن حميد
/
عهد الشّباب لقد أبقيت لي حزنا
ما جدّ ذكرك إلّا جدّ لي ثكل [١]
إنّ الشباب إذا ما حلّ رائده
في منهل راد يقفو إثره أجل [٢]
بكاؤه الشيب أيضا
قال ابن الوشّاء خاصّة: و ما أساء [٣] و لا قصّر عن الأولى، حيث يقول في هذا المعنى:
أبكي الشّباب لندمان و غانية
و للمغاني و للأطلال و الكثب [٤]
و للصّريح و للآجام في غلس
و للقنا السّمر و الهنديّة القضب [٥]
و للخيال الّذي قد كان يطرقني
و للنّدامى و للذّات و الطّرب [٦]
يا صاحبا لم يدع فقدي له جلدا
أضعت بعدك إنّ الدهر ذو عقب [٧]
و قد أكون، و شعبانا معا، رجلا
يوم الكريهة فرّاجا عن الكرب [٨]
هجاؤه ابن حميد
أخبرني ابن عمّار عن العنزيّ قال:
كان محمّد بن حازم الباهليّ مدح بعض بني حميد فلم يثبه، و جعل يفتش شعره فيعيب فيه الشيء بعد الشيء، و بلغه ذلك فهجاه هجاء كثيرا شنيعا، منه قوله:
/
عدوّاك المكارم و الكرام
و خلّك دون خلّتك اللّئام [٩]
و نفسك نفس كلب عند زور
و عقبى زائر الكلب التدام [١٠]
تهرّ على الجليس بلا احترام
لتحشمه إذا حضر الطّعام [١١]
/ إذا ما كانت الهمم المعالي
فهمّك ما يكون به الملام
[١] في الأصول «نكل» بالنون و هو تصحيف.
[٢] الرائد: المرسل في طلب الكلأ. و رادت الدابة ترود: رعت.
[٣] في الأصول «و لا قصد» و هو تحريف. و قوله «عن الأولى» أي عن القصيدة الأولى السابقة.
[٤] المغاني: جمع مغنى، و هو المنزل.
[٥] الصريخ: المستغيث. و الآجام: جمع أجمة، و هي الشجر الكثير الملتف، أي و للصيد و القنص. و الغلس: ظلمة آخر الليل، و القنا:
الرماح. و الهندية: أي السيوف الهندية. و القضب: القاطعة.
[٦] عدّد في الأبيات الثلاثة الأسباب الّتي من أجلها يبكي الشباب، و هي مظاهر الحياة و النشاط و القوة و المتعة.
[٧] عقب: جمع عقبة بالضم، و هي النوبة.
[٨] الكريهة: الحرب أو الشدة في الحرب، و النازلة.
[٩] الخلة: الصديق للذكر و الأنثى و الواحد و الجمع.
[١٠] الزور: الزائر. الالتدام في الأصل: ضرب النساء صدورهنّ و وجوههن في النياحة.
[١١] هرير الكلب: صوته، و هو دون النباح. و الحشمة بالكسر و الضم: أن يجلس إليك الرجل فتؤذيه و تسمعه ما يكره، حشمه كضرب و نصر و أحشمه. و حشمه و أحشمه أيضا: أخجله؛ يقال للمنقبض عن الطعام: ما الّذي حشمك أو أحشمك، من الحشمة بالكسر و هي الاستحياء و الانقباض؛ و حشمه و أحشمه كذلك: أغضبه. و في ج «لتجمشه» بالجيم و هو خطأ، و يصح أن يكون «لتحشمه» بالحاء، يقال حمشه و أحمشه إذا أغضبه.