الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٥ - خبره مع الحوفزان
إمساكه لضيف إن طرقني، و عيال إن كثروا عليّ؟ فقال: «نعم المال [١] الأربعون، و الأكثر الستّون، و ويل لأصحاب المئين- ثلاثا- إلا من أعطى من رسلها [٢] و أطرق [٣] فحلها، و أفقر ظهرها [٤]، و منح غزيرتها [٥]، و أطعم القانع و المعترّ» [٦]. فقلت له: يا رسول اللّه، ما أكرم هذه الأخلاق! إنه لا يحلّ بالوادي الّذي أنا فيه من كثرتها. قال:
«فكيف تصنع في الإطراق؟» قلت: يغدو الناس، فمن شاء أن يأخذ برأس بعير ذهب به، قال: «فكيف تصنع في الإفقار؟» فقلت إنّي لأفقر الناب [٧] المدبرة و الضّرع [٨] الصغيرة. قال: «فكيف تصنع في المنيحة؟» [٩] قلت: إني لأمنح في السّنة المائة. قال: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأبقيت».
خبره مع الحوفزان
أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعيّ حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال:
قيس بن عاصم هو الّذي حفز الحوفزان بن شريك الشّيباني، طعنه في استه في يوم جدود [١٠].
و كان من حديث ذلك اليوم أنّ الحارث بن شريك بن عمرو الصّلب بن قيس بن شراحيل بن مرّة بن همّام كانت بينه و بين بني يربوع موادعة، ثم همّ بالغدر بهم، فجمع بني شيبان [١١] و بني ذهل و اللّهازم: قيس بن ثعلبة و تيم اللّه بن ثعلبة و غيرهم، ثم غزا بني يربوع، فنذر [١٢] به عتيبة بن الحارث بن شهاب بن شريك، فنادى في قومه بني جعفر بن ثعلبة من بني يربوع [١٣] فوادعه. و أغار الحارث بن شريك على بني مقاعس و إخوتهم بني ربيع فلم يجيبوهم [١٤]، فاستصرخوا بني منقر فركبوا حتّى/ لحقوا بالحارث بن شريك و بكر بن وائل و هم
[١] أكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم.
[٢] الرسل: اللبن.
[٣] أطرقه فحله: أعاره إياه ليضرب في إبله.
[٤] الظهر: الإبل الّتي يحمل عليها و يركب. و أفقره بعيره: أعاره إياه يركب ظهره في سفر أو يحمل عليه ثم يرده.
[٥] منح غزيرتها: أعطاها من يحلبها و يردّها.
[٦] القانع هنا: الّذي يسأل، و المعتر: المتعرض للمعروف من غير أن يسأل.
[٧] الناب: الناقة المسنة. و المدبرة: الهرمة، الّتي هرمت فأدبر خيرها.
[٨] الضرع: الصغير من كل شيء، أو الصغير السن الضعيف الضاوي النحيف. و ككتف: الضعيف.
[٩] في ب، س «المليحة» و هو تحريف.
[١٠] جدود: اسم موضع في أرض بني تميم قريب من حزن بني يربوع على سمت اليمامة، فيه الماء الذي يقال له الكلاب، و كان فيه وقعتان مشهورتان عظيمتان من أعرف أيام العرب. اقرأ حديث يوم جدود أيضا في «العقد الفريد» (٣: ٧٢).
[١١] شيبان: حي من بكر بن وائل، و هما شيبانان: أحدهما شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، و الآخر شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة. و اللهازم، هم قيس بن ثعلبة بن عكابة، و تيم اللّه- أو تيم اللات- بن ثعلبة بن عكابة، و عجل بن لجيم، و عنزة بن أسد بن ربيعة- انظر «العقد الفريد» (٣: ٦٨)، و «لسان العرب». و في الأصول «و اللهازم و قيس بن ثعلبة» بزيادة الواو و هو خطأ.
[١٢] نذر به كفرح: علمه فحذره. و في ب، س «عتبة بن الحارث».
[١٣] و ذلك أن الحوفزان لما انتهى إلى جدود منعتهم بنو يربوع أن يردوا الماء- و رئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب- فقاتلوهم، فلم يكن لبني بكر بهم يد، فصالحوهم على أن يعطوا بني يربوع بعض غنائمهم، و على أن يخلوهم يردون الماء، فقبلوا ذلك و أجازوهم، فبلغ ذلك بني سعد، فقال قيس بن عاصم في ذلك: جزى اللّه يربوعا .. الأبيات الآتية (انظر «العقد الفريد» «يوم جدود»).
[١٤] كذا في الأصل، و الظاهر أن في الكلام نقصا. و بنو ربيع (كزبير) هم بنو ربيع بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة، و جاء في «النقائض» ص ١٤٥ طبع أوربة (بعد أن أورد خبر موادعته بني يربوع) «فمضى إلى بني سعد فأغار على ربيع بن الحارث-