الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٧٨ - نسبه و بعض أخباره
١٤- أخبار محمّد الزّفّ [١]
نسبه و بعض أخباره
هو محمّد بن عمرو مولى بني تميم، كوفي الأصل و المولد و المنشأ؛ و الزفّ: لقب غلب عليه، و كان مغنّيا ضاربا طيّب المسموع، صالح الصنعة، مليح النادرة، أسرع خلق اللّه أخذا للغناء، و أصحهم أداء له، و أذكاهم، إذا سمع الصوت مرتين أو ثلاثا أدّاه لا يكون بينه و بين من أخذه عنه فرق، و كان يتعصب على ابن جامع، و يميل إلى إبراهيم الموصلي و ابنه إسحاق، فكانا يرفعان منه، و يقدّمانه و يجتلبان له الرفد و الصلات من الخلفاء، و كانت فيه عربدة إذا سكر، فعربد بحضرة الرشيد مرّة فأمر بإخراجه، و منعه من الوصول إليه، و جفاه و تناساه، و أحسبه مات في خلافته أو في خلافة الأمين.
أخبرني بذلك ذكاء وجه الرزة عن محمّد بن أحمد بن يحيى المكي المرتجل.
أخبرني ابن جعفر جحظة قال: حدّثنا حماد بن إسحاق عن/ أبيه قال: غنى ابن جامع يوما بحضرة الرشيد:
صوت
(ادّعاؤه غناء لابن جامع)
جسور على هجري، جبان على وصلي
كذوب غدا يستتبع الوعد بالمطل [٢]
مقدّم رجل في الوصال مؤخّر
لأخرى [٣]، يشوب الجدّ في ذاك بالهزل
/ يهمّ بنا حتى إذا قلت قد دنا
و جاد ثنى عطفا و مال إلى البخل [٤]
يزيد امتناعا كلّما زدت صبوة
و أزداد حرصا كلّما ضنّ بالبذل
فأحسن فيه ما شاء و أجمل، فغمزت عليه محمّدا الزّفّ، و فطن لما أردت، و استحسنه الرشيد، و شرب عليه، و استعاده مرتين أو ثلاثا، ثم قمت للصلاة و غمزت الزف و جاءني، و أومأت إلى مخارق و علّويه و عقيد فجاءوني، فأمرته بإعادة الصوت، فأعاده و أدّاه كأنه لم يزل يرويه، فلم يزل يكرره على الجماعة حتى غنّوه و دار لهم، ثم عدت إلى المجلس، فلما انتهى الدّور إليّ بدأت فغنّيته قبل كلّ شيء غنّيته، فنظر إليّ ابن جامع محدّدا نظره، و أقبل عليّ الرشيد فقال: أ كنت تروي هذا الصوت؟ فقلت: نعم يا سيدي. فقال ابن جامع: كذب و اللّه، ما أخذه إلا مني
[١] في الأصول «الرف» بالراء، و ورد في الجزء الخامس من «الأغاني» في نسب إبراهيم الموصلي و أخباره «محمّد الزف» بالزاي، و قد يرجح هذا أن الزف و الزفيف معناه الإسراع، و هو الملائم لما عرف عنه من أنه كان أسرع خلق اللّه أخذا للغناء و انظر «الأغاني» ج ١ ح ٢ من صفحة ٣٠٦ طبع دار الكتب المصرية.
[٢] في ج «كذوب غدا يبيع الوعد بالمطل».
[٣] ساقطة من نسخة ج.
[٤] ثني عطفه: لوى عنقه معرضا. و في الأصول «عطفا» و في ج «و حادبني» و هو تصحيف.