الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٣ - قصته مع تاجر خمار
حلمه و عفوه عن ابن أخيه و قد قتل ابنه
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكري قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدّثني دماذ عن أبي عبيدة قال، قال الأحنف:
/ ما تعلّمت الحلم إلّا من قيس بن عاصم المنقريّ، فقيل له: و كيف ذلك يا أبا بحر؟ فقال: قتل ابن أخ له ابنا له فأتى بابن أخيه مكتوفا يقاد إليه، فقال: ذعرتم الفتى. ثم أقبل عليه فقال: يا بنيّ، نقصت عددك، و أوهيت [١] ركنك، و فتتّ في عضدك، و أشمتّ عدوّك، و أسأت بقومك. خلّوا سبيله، و احملوا إلى أم المقتول ديته، قال: فانصرف القاتل و ما حلّ قيس حبوته [٢]، و لا تغير وجهه [٣].
وفود قيس على الرسول عليه السّلام
أخبرني عبيد اللّه الرازيّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائنيّ عن ابن جعدبة و أبي اليقظان قالا:
و قد قيس بن عاصم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال النبيّ عليه الصلاة و السّلام: «هذا سيّد أهل الوبر».
قصته مع تاجر خمار
أخبرني محمّد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي حاتم قال:
جاور داريّ [٤] كان يتّجر في أرض العرب قيس بن عاصم، فشرب قيس ليلة حتى سكر، فربط الداريّ و أخذ ماله، و شرب من شرابه فازداد سكرا، و جعل من السكر يتطاول و يثاور [٥] النجوم ليبلغها و ليتناول القمر، و قال:
و تاجر فاجر جاء الإله به
كأن عثنونه أذناب أجمال [٦]
ثم قسم صدقة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في قومه و قال:
[١] و هي الحائط: ضعف و هم بالسقوط، و أوهاه هو. فت في عضده: أضعفه.
[٢] احتبى: جمع بين ظهره و ساقيه بعمامة و نحوها، و الاسم الحبوة (يفتح و يضم).
[٣] الخبر في «أمالي السيد المرتضى» ١: ٧٦. و جاء في «مجمع الأمثال للميداني» ١: ١٤٨ و «العقد الفريد» ١: ١٧٧ «قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، حضرته يوما قاعدا بفناء داره، محتبيا بحمائل سيفه يحدّثنا، إذ جاءوا بابن له قتيل و ابن عم له كتيف، فقالوا: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فو اللّه ما حل حبوته و لا قطع كلامه، حتى إذا فرغ من الحديث التفت إلى ابن أخيه و قال له: يا ابن أخي، أثمت بربك، و رميت نفسك بسهمك، و قتلت ابن عمك. ثم قال لابن له آخر: يا بني قم إلى ابن عمك فأطلقه، و إلى أخيك فادفنه، و إلى أم القتيل فأعطها مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة لعلها تسلو عنه، ثم أنشأ يقول:
إني امرؤ لا يتعري خلقي
دنس يهجّنه و لا أفن
من منقر من بيت مكرمة
و الغصن ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقوم قائلهم
بيض الوجوه مصانع لسن
لا يفطنون لعيب جارهم
و هم لحفظ جواره فطن
[٤] داريّ: من الداريين، و هم بنو الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم بن عدي، ينتهي نسبهم إلى كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
[٥] ثاوره مثاورة و ثوارا: واثبه.
[٦] العثنون من اللحية: ما نبت على الذقن و تحته سفلا. و أجمال: جمع جمل. جاء في «الكامل» للمبرد ١: ٢٨٠ «قال ذلك لأن ذنب البعير يضرب إلى الصهبة و فيه استواء و هو يشبه اللحية».