الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٨٦ - قصته مع جاريتين
حدّثنا الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أبو الشبل البرجمي قال: حضرت مجلس عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان، و كان إليّ محسنا، و عليّ مفضلا،/ فجرى ذكر البرامكة، فوصفهم الناس بالجود، و قالوا في كرمهم و جوائزهم و صلاتهم فأكثروا، فقمت في وسط المجلس، فقلت لعبيد اللّه: أيها الوزير، إني قد حكمت في هذا الخطب حكما نظمته في بيتي شعر لا يقدر أحد أن يردّه عليّ، و إنما جعلته شعرا ليدور و يبقى، فيأذن الوزير في إنشادهما قال: قل، فربّ صواب قد قلته، فقلت:
رأيت عبيد اللّه أفضل سوددا
و أكرم من فضل و يحيى بن خالد
أولئك جادوا و الزّمان مساعد
و قد جاد ذا و الدهر غير مساعد
فتهلّل وجه عبيد اللّه و ظهر السرور فيه، و قال: أفرطت أبا الشّبل، و لا كلّ هذا، فقلت: و اللّه ما حابيتك أيها الوزير، و لا قلت إلّا حقّا، و اتبعني القوم في وصفه و تقريظه، فما خرجت من مجلسه إلا و عليّ الخلع، و تحتي دابّة [١] بسرجه و لجامه، و بين يديّ خمسة آلاف درهم.
قصته مع جاريتين
حدّثني الحسن قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني علي بن الحسن الشيباني قال: حدّثني أبو الشّبل الشاعر قال: كنت أختلف إلى جاريتين من جواري النخّاسين [٢] كانتا تقولان الشعر، فأتيت إحداهما فتحدّثت إليها، ثم أنشدتها بيتا لأبي المستهلّ شاعر منصور بن المهديّ في المعتصم:
أقام الإمام منار الهدى
و أخرس ناقوس عمّوريه [٣]
/ ثم قلت لها: أجيزي؛ فقالت:
كساني الميلك جلابيبه
ثياب علاها بسمّورية [٤]
ثم دعت بطعام فأكلنا، و خرجت من عندها، فمضيت إلى الأخرى، فقالت: من أين يا أبا الشبل؟ فقلت: من عند فلانة، قالت: قد علمت أنّك تبدأ بها- و صدقت، كانت أجملهما فكنت أبدأ بها- ثم قالت: أما الطعام فاعلم أنه لا حيلة لي في أن تأكله، لعلمي بأن تلك لا تدعك تنصرف أو تأكل. فقلت: أجل. قالت: فهل لك في الشراب؟
قلت: نعم، فأحضرته و أخذنا في الحديث، ثم قالت: فأخبرني ما دار بينكما؟ فأخبرتها، فقالت: هذه المسكينة كانت تجد البرد، و بيتها أيضا هذا الّذي جاءت به يحتاج إلى سمّورية، أ فلا قالت:
فأضحى به الدّين مستبشرا
و أضحت زنادهما واريه [٥]
فقلت: أنت و اللّه أشعر منها في شعرها، و أنت و اللّه في شعرك فوق أهل عصرك. و اللّه أعلم.
[١] تطلق الدابة على الذكر و الأنثى.
[٢] النخّاس: بيّاع الرقيق.
[٣] عمّورية: بلد من بلاد الروم (الأناضول) فتحها المعتصم سنة ٢٢٣ ه.
[٤] سمورية: نسبة إلى سمور (و ياء النسب هنا مخففة) و سمّور: دابة تتخذ من جلدها فراء غالية الأثمان.
[٥] ورى الزند كوعى و ولى: خرجت ناره.