الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣١ - خبره مع غلام من المدينة
قضيت حاجتك، و بلغت و طرا [١] مما أردته، و لست أحبّ أن أشرك في دمك. فقال: يا هذا! لا حاجة لي في الدنانير. فقلت: لا و اللّه و لا بعشرة أضعافها إلا على ثلاث شرائط. قال: و ما هنّ؟ قلت: أولها أن تقيم عندي و تتحرّم بطعامي، و الثانية أن تشرب أقداحا من النّبيذ تشدّ قلبك و تسكّن ما بك، و الثالثة أن تحدّثني بقصّتك. فقال:
أفعل ما تريد. فأخذت الدنانير، و دعوت بطعام فأصاب منه إصابة معذر [٢]، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا، و غنّيته بشعر غيره في معناه، و هو يشرب و يبكي. ثم قال: الشرط أعزّك اللّه، فغنّيته، فجعل يبكي أحرّ بكاء و ينشج [٣] أشدّ نشيج/ و ينتحب. فلما رأيت ما به قد خفّ عما كان يلحقه، و رأيت النّبيذ قد شدّ من قلبه، كررت عليه صوته مرارا، ثم قلت: حدّثني حديثك. فقال: أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزّها في ظاهرها و قد سال العقيق [٤]، في فتية من أقراني و أخداني [٥]، فبصرنا بقينات قد خرجن لمثل ما خرجنا له، فجلسن حجرة [٦] منّا، و بصرت فيهنّ بفتاة كأنها قضيب قد طلّه الندى، تنظر بعينين ما ارتدّ طرفهما إلّا بنفس من يلاحظهما. فأطلنا و أطلن، حتى تفرّق الناس، و انصرفن و انصرفنا، و قد أبقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله [٧]. فعدت إلى منزلي و أنا وقيذ [٨].
و خرجت من الغد إلى العقيق، و ليس به أحد، فلم أر لها و لا لصواحباتها أثرا. ثم جعلت أتتبّعها في طرق المدينة و أسواقها؛ فكأنّ الأرض أضمرتها، فلم أحسّ لها بعين و لا أثر، و سقمت حتى أيس منّي أهلي. و دخلت ظئري [٩] فاستعلمتني حالي، و ضمنت لي حالها و السعي فيما أحبّه منها؛ فأخبرتها بقصّتي، فقالت: لا بأس عليك! هذه أيام الربيع، و هي سنة خصب و أنواء، و ليس يبعد عنك المطر، و هذا العقيق، فتخرج حينئذ و أخرج معك؛ فإن النسوة سيجئن. فإذا فعلن و رأيتها تبعتها حتى أعرف موضعها، ثم أصل بينك و بينها، و أسعى لك في تزويجها. فكأنّ نفسي اطمأنت إلى ذلك، و وثقت به و سكنت إليه؛ فقويت و طمعت و تراجعت نفسي، و جاء مطر بعقب ذلك، فأسال الوادي، و خرج الناس و خرجت مع إخواني إليه، فجلسنا مجلسنا الأوّل بعينه، فما كنّا و النسوة إلا كفرسي رهان.
و أومأت إلى ظئري فجلست حجرة منّا و منهنّ، و أقبلت على إخواني فقلت: لقد أحسن القائل حيث قال:
/
رمتني بسهم أقصد [١٠] القلب و انثنت
و قد غادرت جرحا به و ندوبا
فأقبلت على صواحباتها فقالت: أحسن و اللّه القائل، و أحسن من أجابه حيث يقول:
بنا مثل ما تشكو، فصبرا لعلّنا
نرى فرجا يشفي السّقام قريبا
فأمسكت عن الجواب خوفا من أن يظهر منّي ما يفضحني و إيّاها، و عرفت ما أرادت. ثم تفرّق الناس و انصرفنا، و تبعتها ظئري حتّى عرفت منزلها، و صارت إليّ فأخذت بيدي و مضينا إليها. فلم تزل تتلطّف حتّى
[١] في الأصول «نظرا» و هو تحريف، و الوطر: الحاجة.
[٢] أعذر: أبدى عذرا، و ثبت له عذر.
[٣] نشج الباكي كضرب نشيجا: و هو مثل بكاء الصبي إذا ضرب فلم يخرج بكاءه و ردّد صوته في صدره.
[٤] العقيق: موضع بالمدينة مما يلي الحرة إلى منتهى البقيع.
[٥] أخدان: جمع خدان بالكسر، و هو الصديق.
[٦] حجرة: ناحية.
[٧] اندمل الجرح: برئ.
[٨] وقيذ: صريع.
[٩] الظئر: العاطفة على ولد غيرها المرضعة له.
[١٠] أقصده: طعنه فلم يخطئه.