الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٠ - كان يكنى أبا علي
/ أخبرني محمّد بن مزيد عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال:
قال الزّبرقان: إنّ تاجرا ديافيّا [١] مرّ بحمل خمر على قيس بن عاصم فنزل به، فقال قيس: اصبحني قدحا؛ ففعل.
ثم قال له: زدني، فقال له: أنا رجل تاجر طالب ربح و خير، و لا أستطيع أن أسقيك بغير ثمن. فقام إليه قيس فربطه إلى دوحة في داره حتى أصبح، فكلّمته أخته في أمره، فلطمها و خمش وجهها- و زعموا أنّه أرادها على نفسها- و جعل يقول:
و تاجر فاجر جاء الإله به
كأنّ لحيته أذناب أجمال
فلما أصبح قال: من فعل هذا بضيفي؟ قالت له أخته: الّذي صنع هذا بوجهي، أنت و اللّه صنعته، و أخبرته بما فعل. فأعطى اللّه عهدا ألا يشرب الخمر أبدا. فهو أوّل عربيّ حرّمها على نفسه في الجاهليّة، و هو الّذي يقول:
فو الله لا أحسو يد الدّهر خمرة
و لا شربة تزري بذي اللّبّ و الفخر [٢]
فكيف أذوق الخمر و الخمر لم تزل
بصاحبها حتى تكسّع في الغدر [٣]
و صارت به الأمثال تضرب بعد ما
يكون عميد القوم في السّرّ و الجهر
و يبدرهم في كلّ أمر ينوبهم
و يعصمهم ما نابهم حادث الدّهر
فيا شارب الصّهباء دعها لأهلها ال
غواة و سلّم للحسيم من الأمر
فإنّك لا تدري إذا ما شربتها
و أكثرت منها ما تريش و ما تبري [٤]
قصته مع امرأته و قد فارقته لإسلامه
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أحمد بن منصور قال أخبرني أبو جعفر المباركيّ قال أخبرني المدائني عن مسلمة بن محارب قال:
قال الأحنف بن قيس: ذكرت بلاغة النساء عند زياد، فحدّثته أنّ قيس بن عاصم أسلم و عنده امرأة من بني حنيفة، فأبى/ أهلها و أبوها أن يسلموا و خافوا إسلامها، فاجتمعوا إليها و أقسموا إنّها إن أسلمت لم يكونوا معها في شيء ما بقيت. فطالبت قيسا بالفرقة، ففارقها، فلما احتملت لتلحق بأهلها قال لها قيس: أما و اللّه لقد صحبتني سارّة، و لقد فارقتني غير عارّة [٥]، لا صحبتك مملولة، و لا أخلاقك مذمومة، و لو لا ما اخترت ما فرّق بيننا إلّا الموت، و لكنّ أمر اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم أحقّ أن يطاع. فقالت له: أنبئت بحسبك و فضلك، و أنت و اللّه إن كنت للدّائم المحبة، الكثير المودّة، القليل اللائمة، المعجب الخلوة، البعيد النّبوة. و لتعلمنّ أنّي لا أسكن بعدك إلى زوج.
فقال قيس: ما فارقت نفسي شيئا قطّ فتبعته كما تبعتها.
كان يكنى أبا عليّ
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني أبو فراس قال:
[١] ديافي: نسبة إلى دياف، و هي قرية بالشام و أهلها نبط الشام، تنسب إليها الإبل و السيوف، و إذا عرّضوا برجل أنه نبطي نسبوه إليها.
[٢] يد الدهر: مدّ زمانه. و في الأصول «بذا الدهر» و هو تحريف.
[٣] تكسع في ضلاله: تمادى، كتسكع.
[٤] راش السهم يريشه: ألزق عليه الريش. و قولهم: فلان لا يريش و لا يبري، أي لا يضر و لا ينفع.
[٥] عرّه بمكروه: أصابه به، و عرّه: ساءه.