الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٢ - قصته مع زوجه ورد
كان من غطفان رجل يقال له السّليك بن مجمّع، و كان من الفرسان، و كان مطلوبا في سائر القبائل بدماء قوم قتلهم، و كان يهوى/ ابنة عمّ له، و كان خطبها مدّة فمنعها أبوها، ثم زوّجه إياها خوفا منه، فدخل بها في دار أبيها ثم نقلها بعد أسبوع إلى عشيرته، فلقيه من بني فزارة ثلاثون فارسا كلّهم يطلبه بذحل [١]، فحلّقوا [٢] عليه، و قاتلهم و قتل منهم عددا، و أثخن بالجراح آخرين، و أثخن هو حتى أيقن بالموت. فعاد إليها فقال: ما أسمح بك نفسا لهؤلاء، و إني أحبّ أن أقدّمك قبلي. قالت: افعل، و لو لم تفعله أنت لفعلته أنا بعدك. فضربها بسيفه حتى قتلها، و أنشأ يقول:
يا طلعة طلع الحمام عليها
و ذكر الأبيات المنسوبة إلى ديك الجن، ثم نزل إليها فتمرّغ في دمها و تخضّب به، ثم تقدّم فقاتل حتى قتل.
و بلغ قومه خبره، فحملوه و ابنة عمّه فدفنوهما. قال: و حفظت فزارة عنه هذه الأبيات فنقلوها. قال: و بلغني أن قومه أدركوه و به رمق، فسمعوه يردّد هذه الأبيات، فنقلوها و حفظوها عنه، و بقي عندهم يوما ثم مات.
و قال ديك الجن في هذه المقتولة [٣]:
أشفقت أن يرد الزمان بغدره
أو أبتلى بعد الوصال بهجره
/ قمر أنا استخرجته من دجنه
لبليّتي و جلوته من خدره
فقتلته و له عليّ كرامة
ملء الحشى و له الفؤاد بأسره
عهدي به ميتا كأحسن نائم
و الحزن يسفح عبرتي في نحره
لو كان يدري الميت ما ذا بعده
بالحيّ حلّ بكى له في قبره
غصص تكاد تفيظ منها نفسه
و تكاد تخرج قلبه من صدره [٤]
و قال فيها أيضا:
أ ساكن حفرة و قرار لحد
مفارق خلّة من بعد عهد [٥]
أجبني إن قدرت على جوابي
بحقّ الودّ كيف ظللت بعدي
و أين حللت بعد حلول قلبي
و أحشائي و أضلاعي و كبدي؟
أما و اللّه لو عاينت وجدي
إذا استعبرت [٦] في الظّلمات وحدي
[١] الذحل: الثأر، و في ب، س «بدم».
[٢] في الأصول: «فحنقوا» و أراه محرفا.
[٣] في «وفيات الأعيان»: «و يروى أن المتهم بالجارية غلام كان يهواه فقتله أيضا، و صنع فيه أبياتا و هي ... و أورد الأبيات». و في «ابن عساكر»: «و كان له غلام كالشمس و جارية كالقمر، و كان يهواهما جميعا، فدخل يوما منزله، فوجد الجارية معانقة للغلام تقبله، فشدّ عليهما فقتلهما، ثم جلس عند رأس الجارية فبكاها طويلا، ثم قال: يا طلعة طلع الحمام ...... الأبيات، ثم جلس عند رأس الغلام فبكاه و أنشأ يقول: أشفقت أن يرد الزمان ... الأبيات».
[٤] فاظت نفسه تفيظ: خرجت روحه، مثل فاضت تفيض؛ و كرهها بعضهم، و زعم أبو عبيدة أنها لغة لبعض تميم.
[٥] الخلة: الصديق للذكر و الأنثى و الواحد و الجمع.
[٦] استعبر: جرت عبرته.