الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧١ - شعره في رثاء داود
/ أراد به يسقيانه [١].
قصته مع صديق له يدعى داود
أخبرني عمي قال حدّثنا ابن مهرويه قال و حدّثني عبد اللّه بن محمّد بن يسير قال:
كان لأبي صديق يقال له داود من أسمج الناس وجها و أقلّهم أدبا، إلا أنه كان وافر المتاع، فكان القيان يواصلنه و يكثرن عنده، و يهدين إليه الفواكه و النبيذ و الطيب، فيدعو بأبي فيعاشره. فهويته قينة من قيان البصرة، كانت من أحسن الناس وجها، فبعثت إلى داود برقعة طويلة جدّا تعاتبه فيها و تستجفيه و تستزيره [٢]. فسأل أبي أن يجيبها عنه، فقال أبي: اكتب يا بنيّ قبل أن أجيب عنها:
و ابلائي من طول هذا الكتاب
أسعدوني عليه يا أصحابي
أسعدوني على قراة كتاب
طوله مثل طول يوم الحساب [٣]
/ إنّ فيه منّي البلاء ملقّى
و لغيري فيه الهوى و التّصابي
و له الودّ و الهوى، و علينا
فيه للكاتبين ردّ الجواب
ثم ممن يا سيّدي؟ و إلى من؟
من هضيم الحشا لعوب كعاب [٤]
و إلى من إن قلت فيه بعيب
لم أحط في مقالتي بالصواب [٥]
لا يساوي على التأمّل و التف
تيش يوما في الناس كفّ تراب
شعره في رثاء داود
فقال عبد اللّه: و كان أبي إذا انصرف من مجلس فيه داود هذا أخذه معه، فيمشي قدّامه، فإن كان في الطريق طين أو بئر أو أذى لقي داود شرّه و حذره أبي. فمات داود. و انصرف أبي ذات ليلة و هو سكران، فعثر بدكّان [٦] و تلوّث بطين و دخل في رجله عظم و لقي عنتا، فقال يرثي داود:
أقول و الأرض قد غشّى و جلّلها
ثوب الدّجى فهو فوق الأرض ممدود [٧]
و سدّ كلّ فروج الجوّ منطبقا
و كلّ فرج به في الجوّ مسدود
و في الوداع و في الإبداء لي عنت
دون المسير و باب الدار مسدود [٨]
من لي بداود في ذي الحال يرشدني؟
من لي بداود؟ لهفي! أين داود؟
[١] أي فلا زال الهزل و الجد يسقيانه أمثال هذه السحابة في كل مجلس به فتية.
[٢] في الأصول «فبعث إلى داود برقعة طويلة جدا يعاتبه فيها و يستجفيه و يستزيده» و كله تحريف. و تستجفيه: تنسبه إلى الجفاء و تعدّ جافيا. و تستزيره: تسأله أن يزورها.
[٣] قراة، مسهّل عن قراءة.
[٤] امرأة هضيم: لطيفة الكشحين ضامرة البطن. و لعوب: حسنة الدل. و كعاب: كعب ثديها، أي نهد.
[٥] في الأصول: «بعيث» «لم أخط» و هو تصحيف و في ب، س «من مقالتي».
[٦] الدكان: بناء يسطح أعلاه للقعود- المصطبة.
[٧] غشاها: غطاها. و جلل المطر الأرض: عمها و طبقها فلم يدع شيئا إلا غطاه.
[٨] الإبداء: الابتداء، بدأ الشيء و أبدأه: فعله ابتداء.