شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٩٥
و الجواب- منع امتناع الإعادة. و قد تكلمنا على أدلته، و لو سلم، فالمراد إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف و الحياة، و نحو ذلك. و لا يضرنا كون المعاد مثل المبدأ، لا عينه.
الثاني- لو أكل إنسان إنسانا، و صار غذاء له جزءا من بدنه، فالأجزاء المأكولة إما أن تعاد في بدن الآكل، أو في بدن المأكول، و أيا ما كان لا يكون أحدهما بعينه معادا بتمامه، على أنه لا أولوية لجعلها جزءا من بدن أحدهما دون الآخر، و لا سبيل لجعلها جزءا من كل منهما، و أيضا إذا كان الآكل كافرا و المأكول مؤمنا يلزم تنعيم الأجزاء العاصية، أو تعذيب الأجزاء المطيعة.
و الجواب- أنا نعني بالحشر إعادة الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره، لا الحاصلة بالتغذية، فالمعاد من كل من الآكل و المأكول الأجزاء الأصلية الحاصلة في أول الفطرة من غير لزوم فساد.
فإن قيل: يجوز أن يصير تلك الأجزاء الغذائية الأصلية في المأكول الفضل في الآكل نطفة و أجزاء أصلية لبدن آخر، و يعود المحذور.
قلنا: الفساد إنما هو في وقوع ذلك، لا في إمكانه فلعل اللّه تعالى يحفظها من أن تصير جزءا لبدن آخر، فضلا عن أن تصير جزءا أصليا. و قد ادعى المعتزلة [١] أنه يجب على الحكيم حفظها عن ذلك ليتمكن من إيصال الجزاء إلى مستحقه، و نحن نقول: لعله يحفظها عن التفرق، فلا يحتاج إلى إعادة الجمع و التأليف، بل إنما يعاد إلى الحياة و الصور و الهيئات.
فإن قيل: الآيات الواردة في باب الحشر من مثل:
مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ [٢] أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً [٣] إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [٤].
[١] سبق الحديث عنها في كلمة ضافية في الجزء الأول من هذا الكتاب.
[٢] سورة يس آية رقم ٧٨.
[٣] سورة الواقعة آية رقم ٤٧.
[٤] سورة سبأ آية رقم ٧.