شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٢٥
قالوا: و يجوز ان يكون هذا الجرم متولدا من الهواء و الأدخنة من غير أن يقارن مزاجا يقتضي فيضان نفس إنسانية. ثم إن الحكماء، و إن لم يثبتوا المعاد الجسماني، و الثواب و العقاب المحسوسين، فلم ينكروها غاية الإنكار، بل جعلوها من الممكنات لا على وجه إعادة المعدوم، و جوزوا حمل الآيات الواردة فيها على ظواهرها، و صرحوا بأن ذلك ليس مخالفا للأصول الحكمية و القواعد الفلسفية، و لا مستبعد الوقوع في الحكمة الإلهية لأن للتبشير و الإنذار نفعا ظاهرا في أمر نظام المعاش و صلاح المعاد، ثم الإيفاء بذلك التبشير و الإنذار بثواب المطيع و عقاب العاصي تأكيد لذلك و موجب لازدياد النفع، فيكون خيرا بالقياس إلى الأكثرين، و إن كان ضرا في حق المعذب، فيكون من جملة الخير الكثير الذي يلزمه شر قليل، بمنزلة قطع العضو لإصلاح البدن.
[المبحث التاسع القول فى الثواب و العقاب]
قال: المبحث التاسع- الثواب فضل (المبحث التاسع- الثواب فضل، و العقاب عدل، لا يجبان على اللّه إلا بمعنى أنه وعد و أوعد فلا يخلف على اختلاف في الوعيد، و لا يستحقهما العبد إلا بمعنى ترتبهما على الأفعال و التروك، و ملائمة إضافتهما إليها في مجاري العقول. و وافقنا على ذلك البصريون من المعتزلة و كثير من البغدادية. لنا وجوه:
الأول- ما مر من أنه لا يجب عليه شيء.
الثاني- الطاعات، و إن كثرت لا تفي بشكر بعض النعم، فلا يستحق عوض عليها.
فإن قيل: تكليف الشكر على الإحسان مستقبح عقلا، و الشكر بلا مشقة صحيح، فلا بد للمشاق من عوض لئلا تكون عبثا.
قلنا: بعد تسليم قاعدة الحسن و القبح و لزوم الغرض المستقبح هو الإحسان للشكر، لا إيجاب الشكر على الإحسان. و لو سلم لزوم كون الغرض هو العوض فيكفي التفضل عوضا.
الثالث- لو وجبا استحقاقا لما سقطا عمن واظب طول عمره على الطاعات