شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٤
و يقابله التكذيب، و ينافيه التردد، و هو غير العلم و المعرفة، لأن من الكفار من كان يعرف و لا يصدق. قال اللّه:
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [١] وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُ [٢] وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [٣].
و بين الفرق بأن المقابل للتصديق الإنكار و التكذيب، و للمعرفة النكر و الجهالة. و لهذا قد يفسر بالتسليم، و بالعكس. و بأن التصديق ربط القلب على ما علم من إخبار المخبر، و هو كسبي اختياري، و لهذا يؤمر به و يثاب عليه. و المعرفة ربما تحصل بلا كسب. و لقد زاد من قال: المعتبر في الإيمان التصديق الاختياري. و معناه نسبة الصدق إلى المتكلم اختيارا. و بهذا يمتاز عما جعل في المنطق مقابلا للتصور فإنه قد يخلو عن الاختيار فلا يكون تصديقا في اللغة، فلا يكون إيمانا في الشرع، كيف و التصديق مأمور به، فيكون فعلا اختياريا هو إيقاع النسبة اختيارا، و العلم كيفية نفسانية أو انفعال).
في اللغة التصديق بشهادة النقل عن أئمة اللغة و دلالة موارد الاستعمال.
و لم ينقل في الشرع إلى معنى آخر.
أما أولا، فلأن النقل خلاف الأصل لا يصار إليه إلا بدليل.
و أما ثانيا، فلأنه كثر في الكتاب و السنة خطاب العرب به. بل كان ذلك أول الواجبات و أساس المشروعات، فامتثل من امتثل من غير استفسار و لا توقف إلى بيان. و لم يكن ذلك من الخطاب بما لا يفهم، و إنما احتيج إلى بيان ما يجب الإيمان به، فبين و فصل بعض التفصيل، حيث قال النبي (عليه السلام) لمن سأله عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن باللّه، و ملائكته، و كتبه، و رسله ...» [٤]
الحديث.
[١] سورة البقرة آية رقم ١٤٦.
[٢] سورة البقرة آية رقم ١٤٤.
[٣] سورة النمل آية رقم ١٤.
[٤] سبق تخريج هذا الحديث.