شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٥٦
عاش على الإيمان و الطاعة مائة سنة. و لم يفرقوا بين أن تكون الكبيرة واحدة أو كثيرة، واقعة قبل الطاعات أو بعدها أو بينها. و جعلوا عدم القطع بالعقاب، و تفويض الأمر إلى أن اللّه تعالى يغفر إن شاء و يعذب إن شاء على ما هو مذهب أهل الحق إرجاء. بمعنى أنه تأخير للأمر و عدم جزم بالعقاب أو الثواب. و بهذا الاعتبار جعل أبو حنيفة من المرجئة. و قد قيل له: من أين أخذت الإرجاء؟
فقال: من الملائكة (عليهم السلام). قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [١] و إنما المرجئة الخالصة الباطلة هم الذين يحكمون بأن صاحب الكبيرة لا يعذب أصلا، و إنما العذاب و النار للكفار، و هذا تفريط. كما أن قول الوعيدية إفراط.
و التفويض [٢] إلى اللّه تعالى وسط بينهما كالكسب بين الجبر و القدر. و نحن نقول:
ينبغي أن يكون ما اشتهر منهم مذهب بعضهم. و المختار خلافه، لأن مذهب الجبائي و أبي هاشم، و كثير من المحققين- و هو اختيار المتأخرين- أن الكبائر إنما تسقط الطاعات، و توجب دخول النار إذا زاد عقابها على ثوابها، و العلم بذلك مفوض إلى اللّه تعالى. فمن خلط الحسنات بالسيئات و لم يعلم عليه غلبة الأوزار، لم يحكم بدخوله النار. بل إذا زاد الثواب يحكم بأنه لا يدخل النار أصلا. و اضطربوا فيما إذا تساوى الثواب و العقاب، و صرحوا بأن هذا بحسب السمع. و أما بحسب العقل فيجوز العفو عن الكبائر كلها، إلا عند الكعبي. و ذكر إمام الحرمين في الإرشاد [٣] أن مذهب البصريين و بعض البغداديين جواز العفو عقلا و شرعا. و لقد مننا بهذا على المعتزلة أن ادركوا، و نهجنا لهم منهاجا أن سلكوا. و إلا فمن لهم بعصمة تنجي أو توبة ترجى.
[المبحث الثالث عشر القول فى الشفاعة لاهل الكبائر]
قال: المبحث الثالث عشر-
[١] سورة البقرة آية رقم ٣٢.
[٢] التفويض قيل: هو ترك اختيار ما فيه الخطر إلى اختيار المدبر العالم بمصلحة الخلق، و قيل: هو ترك الطمع، و الأول أنسب قال اللّه سبحانه و تعالى: وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ الآية ثم قال تعالى: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا الآية و قال عليه السلام لابن مسعود: ليقل همك ما قدر أتاك و ما لم يقدر لا يأتيك، و قوله ليقل همك أمر له بالتفويض. و اللّه أعلم.
[٣] قام بتحقيقه الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى، و الأستاذ الدكتور علي عبد المنعم عبد الحميد.