شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٢
أما المقام الأول فبيانه بنصوص تدل على ذلك حتى إن القول بكون الإيمان مجرد الإقرار يكاد يجري مجرى إنكار النصوص. قال اللّه تعالى: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [١] إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [٢] الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [٣] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [٤] إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ [٥].
و قال النبي (صلى اللّه تعالى عليه و سلم): «اللهم ثبت قلبي على دينك، و من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان» [٦] الحديث.
و قد يستدل بوجهين:
أحدهما- أنه لو كان الإيمان هو القول لما كان المكلف مؤمنا حقيقة إلا حال التلفظ لانقضاء القول بعده، بخلاف التصديق، فإنه باق في القلب حتى حال النوم و الغفلة إلى طرآن ضده، الذي هو الكفر.
و أجيب بعد تسليم كون اسم الفاعل حقيقة في الحال، دون الماضي بأن المؤمن من بحسب الشرع اسم لمن تكلم بما يدل التصديق إلى أن يطرأ ضده.
و ثانيهما أنا لو فرضنا عدم وضع لفظ التصديق لمعنى، أو وضعه لمعنى آخر، لم يكن المتلفظ به مؤمنا قطعا.
و أجيب بأنهم لا يعنون أن الإيمان هو التلفظ بهذه الحروف كيف ما كانت، بل التلفظ بالكلام الدال على تصديق القلب أية ألفاظ كانت، و أية حروف، من غير أن يجعل التصديق جزءا منه. و الحاصل أنه اسم للمقيد، دون المجموع.
تمسك المخالف بوجهين:
أحدهما- قوله تعالى: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا [٧].
حيث رتب ثواب الجنة على القول.
[١] سورة المجادلة آية رقم ٢٢.
[٢] سورة النحل آية رقم ١٠٦.
[٣] سورة المائدة آية رقم ٤١.
[٤] سورة الحجرات آية رقم ١٤.
[٥] سورة الممتحنة آية رقم ١٠.
[٦] سبق تخريج هذا الحديث.
[٧] سورة المائدة آية رقم ٨٥.