شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٠٨
مالأ على قتل عثمان (رضي اللّه عنه) حيث ترك معاونته، و جعل قتلته خواصه و بطانته، فاجتمع الفريقان بصفين، و هي قرية خراب من قرى الروم على غلوة من الفرات، و دامت الحرب بينهم شهورا، فسمي ذلك حرب صفين. و الذي اتفق عليه أهل الحق أن المصيب في جميع ذلك علي (رضي اللّه عنه) لما ثبت من إمامته ببيعة أهل الحل و العقد و ظهر من تفاوت إما بينه و بين المخالفين سيما معاوية و أحزابه، و تكاثر من الأخبار في كون الحق معه، و ما وقع عليه الاتفاق حتى من الأعداء إلى أنه أفضل زمانه. و أنه لا أحق بالإمامة منه. و المخالفون بغاة لخروجهم على الإمام الحق بشبهة هي تركه القصاص من قتلة عثمان (رضي اللّه عنه) و لقوله صلى اللّه عليه و سلّم لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» و قد قتل يوم صفين على يد أهل الشام. و لقول علي (رضي اللّه تعالى عنه): إخواننا بغوا علينا، و ليسوا كفارا و لا فسقة و لا ظلمة لما لهم من التأويل. و إن كان باطلا فغاية الأمر أنهم أخطئوا في الاجتهاد. و ذلك لا يوجب التفسيق، فضلا عن التكفير.
و لهذا منع علي (رضي اللّه عنه) أصحابه من لعن أهل الشام، و قال: إخواننا بغوا علينا. كيف و قد صح ندم طلحة و الزبير (رضي اللّه عنهما) و انصراف الزبير (رضي اللّه عنه) عن الحرب، و اشتهر ندم عائشة (رضي اللّه عنها).
و المحقون من أصحابنا على أن حرب الجمل كانت فلتة من غير قصد من الفريقين، بل كانت تهييجا من قتلة عثمان (رضي اللّه عنه) حيث صاروا فرقتين، و اختلطوا بالعسكرين، و أقاموا الحرب خوفا من القصاص، و قصد عائشة (رضي اللّه عنها) لم يكن إلا إصلاح الطائفتين و تسكين الفتنة، فوقعت في الحرب.
و ما ذهب إليه الشيعة من أن محاربي علي كفرة، و مخالفوه فسقة تمسكا بقوله (صلى اللّه عليه و سلّم) «حربك يا علي حربي». و بأن الطاعة واجبة، و ترك الواجب فسق، فمن اجتراءاتهم و جهالاتهم حيث لم يفرقوا بين ما يكون بتأويل و اجتهاد و بين ما لا يكون. نعم: لو قلنا بكفر الخوارج بناء على تكفيرهم عليا (رضي اللّه عنه): لم يبعد، لكنه بحث آخر.
فإن قيل: لا كلام في أن عليا أعلم و أفضل، و في باب الاجتهاد أكمل لكن من