شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١
الأول: أن فصحاء العرب إنما كانوا يتعجبون من حسن نظمه و بلاغته و سلاسته في جزالته، و يرقصون رءوسهم عند سماع قوله تعالى:
وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ .. [١] الآية.
لذلك، لا لعدم تأتي المعارضة مع سهولتها في نفسها.
الثاني: أنه لو قصد الإعجاز بالصرفة لكان الأنسب ترك الاعتناء ببلاغته و علو طبقته، لأن كلما كان أنزل في البلاغة و أدخل في الركاكة، كان عدم تيسر المعارضة أبلغ في خرق العادة.
الثالث: قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [٢].
فإن ذكر الاجتماع و الاستظهار بالغير في مقام التحدي إنما يحسن فيما لا يكون مقدورا للبعض، و يتوهم كونه مقدورا للكل، فيقصد نفي ذلك ..
فإن قيل: لو كان القصد إلى الإعجاز بالبلاغة لكان ينبغي أن يؤتى بالكل في أعلى الطبقات لكونه أبلغ في خرق العادة، و المذهب أن اللّه تعالى قادر على أن يأتي بما هو أفصح مما أتى به و أبلغ، و أن بعض الآيات في باب البلاغة أعلى و أرفع كقوله تعالى:
وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ .. [٣] الآية.
بالنسبة إلى سورة الكافرين مثلا. قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [٤] قلنا: هذا أوفى بالغرض، و أوضح في المقصود. بمنزلة صانع يبرز من مصنوعاته ما ليس غاية مقدوره و نهاية ميسوره، ثم يدعو جماهير الحذاق في الصناعة إلى ان يأتوا بما يوازي أو يداني دون ما ألقاه، و أهون ما أبداه.
[١] سورة هود آية رقم ٤٤
[٢] سورة الإسراء آية رقم ٨٨
[٣] سورة هود آية رقم ٤٤
[٤] سورة الكافرون آية رقم ١