شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٩١
فدل على انفكاك التصديق عن العلم، و العلم عن التصديق. و لهذا لم يجعل الإيمان معرفة على ما ذهب إليه جهم بن صفوان.
الخامس- أن ما ذكر من اعتبار الاختيار في نفس التصديق اللغوي، و كون الحاصل بلا كسب و اختيار، ليس بإيمان يدل على أن تصديق الملائكة بما ألقي عليهم، و الأنبياء بما أوحي إليهم، و المصدقين بما سمعوا من النبي (عليه السلام) كله مكتسب بالاختيار. و أن من حصل له هذا المعنى بلا كسب كمن شاهد المعجزة فوقع في قلبه صدق النبي (عليه السلام) فهو مكلف بتحصيل ذلك اختيارا، بل صرح هذا القائل بأن العلم بالنبوة الحاصل من المعجزات حدسي ربما يقع في القلب من غير اختيار و لا ينضم إليه التصديق الاختياري المأمور به، و كل هذا موضع تأمل.
فإن قيل: لا شك أن المقصود بالتصديق و التسليم واحد، و التصريح بذلك من أكابر الصحابة و علماء الأمة وارد. و في قوله تعالى:
فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [١].
عليه شاهد، و إن أمكنت مناقشته. و بقوله تعالى: وَ ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَ تَسْلِيماً [٢].
مجادلة. ففي اتحاد المفهوم لا غير. فما بال أقوام شددوا النكير، أو أكثروا المدافعة على من قال بذلك من المتأخرين و نسبوه إلى اختراع مذهب في الإسلام، و زيادة ركن في الإيمان.
قلنا: لأنه كان يزعم أولا أن التسليم أمر زائد على التصديق الذي اعتبره العلماء لم ينكشف على من قبله من الأذكياء، و اعترف بأنه إنما اطلع عليه بعد حين من الدهر و صدر من العمر. مع أن السلف قد صرحوا بأن المراد به ما يعبر عنه في الفارسية بگرويدن و باور داشتن و بذيرفتن و راستكوي داشتن. و أنه لا يكفي
[١] سورة النساء آية رقم ١٦٥.
[٢] سورة الأحزاب آية رقم ٢٢.