شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٨١
قلنا: ليس السحر يوجد في كل عصر و زمان، و بكل قطر و مكان، و لا ينفذ حكمه كل أوان، و لا له يد في كل شأن، و النبي معصوم من أن يهلكه الناس، أو يوقع خللا في نبوته، لا أن يوصل ضررا و ألما إلى بدنه. و مراد الكفار بكونه مسحورا أنه مجنون أزيل عقله بالسحر، حيث ترك دينهم.
فان قيل: قوله تعالى في قصة موسى صلى اللّه عليه و سلّم:
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [١] يدل على أنه لا حقيقة للسحر، و إنما هو تخييل و تمويه.
قلنا: يجوز أن يكون سحرهم هو إيقاع ذلك التخييل، و قد تحقق. و لو سلم فكون أثره في تلك الصورة هو التخييل لا يدل على أنه لا حقيقة له اصلا. و أما الإصابة بالعين و هو أن يكون لبعض النفوس خاصية أنها إذا استحسنت شيئا لحقته الآفة، فثبوتها يكاد يجري مجرى المشاهدات التي لا تفتقر إلى حجة. و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلّم: العين حق. و قال: العين يدخل الرجل القبر، و الجمل القدر. و ذهب كثير من المفسرين إلى أن قوله تعالى:
وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ .. [٢] الآية.
نزل في ذلك، و قالوا: كان العين في بني أسد، و كان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام، فلا يمر به شيء يقول فيه: لم أر كاليوم، إلّا عانه، فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة ان يقول في رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم ذلك فعصمه اللّه، و اعترض الجبائي بأن القوم ما كانوا ينظرون إلى النبي صلى اللّه عليه و سلّم نظر استحسان بل مقت و بغض.
و الجواب: أنهم كانوا يستحسنون منه الفصاحة و كثيرا من الصفات. و إن كانوا يبغضونه من جهة الدين، ثم للقائلين بالسحر و العين اختلاف في جواز الاستعانة بالرقى و العوذ، و في جواز تعليق التمائم، و في جواز النفث و المسح، و لكل من
[١] سورة طه آية رقم ٦٦.
[٢] سورة القلم آية رقم ٥١.