شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٨
طريق الحق و سبيل النجاة و الرشاد مع اشتغالهم باكتساب أسباب المعاش، و خلو أكثرهم عن صناعة النظر و حذاقة الذهن، و على الفلاسفة المتشبثين بأذيال العقل العدول عن الصواب و الوقوع في الضلال مع رجاحة عقولهم، و دقة أنظارهم، و إقبالهم بالكلية على البحث عن المعارف الإلهية و العلوم اليقينية، و أنت خبير بأن في ترويج أمثال هذا المقال توسيع مجال الاعتزال، فإنهم لا يعنون بالوجوب على اللّه تعالى سوى أن تركه لقبحه مخل بالحكمة، و مظنة لاستحقاق المذمة، فالحق أن البعثة لطف من اللّه تعالى و رحمة يحسن فعلها و لا يقبح تركها على ما هو المذهب في سائر الألطاف، و لا تبتنى على استحقاق من المبعوث و اجتماع أسباب و شروط فيه، بل اللّه تعالى يختص برحمته من يشاء من عباده و هو [١] أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.
قال: و للمنكرين.
(شبه إحداها: أنها تتوقف على علم المبعوث بأن الباعث هو اللّه تعالى، و لا سبيل إليه، و رد بجواز نصب الأدلة، أو خلق العلم الضروري ..
الثاني: أنها عبث، لأن ما حسن عقلا يفعل، و ما قبح يترك، و ما لم يحسن و لا يقبح يفعل حسب المصلحة، و رد بأنها تعاضد العقل فيما يستقل، و تعاونه فيما لا يستقل، و تدفع الاحتمال فيما يظن، و تكون الطريق فيما لا يدرك مع أن التفويض إلى العقول المتفاوتة مظنة اختلال النظام.
الثالث: أن مبناها على التكليف بما لا ينتفع به العبد لتضرره، و لا المعبود لتعاليه مع ما فيه من شغل السر عن التوجه التام، و رد بأن نفعه جدا غالب.
الرابع: ان في الشرائع ما يشعر بأنها ليست من عند اللّه كأفعال الصلاة، و الحج، و الوضوء، و الغسل، و غير ذلك من الأمور الخارجة عن قانون العقل [٢]، و رد بأنها
[١] سورة الأنعام آية رقم ١٢٤ و تكملة الآية سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ.
[٢] العقل: جوهر مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله و هي النفس الناطقة التي يشير إليها كل-