شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٢١
يكن عند الأشعري مؤمنا على الإطلاق، فليس بكافر لوجود التصديق، لكنه عاص بتركه النظر و الاستدلال، فيعفو اللّه عنه أو يعذبه بقدر ذنبه، و عاقبته الجنة. و هذا يشعر بأن مراد الأشعري أنه لا يكون مؤمنا على الكمال، كما في ترك الأعمال، و إلا فهو لا يقول بالمنزلة بين المنزلتين، و لا بدخول غير المؤمن الجنة، و عند هذا يظهر أنه لا خلاف معه على التحقيق، و منهم من قال: لا بد من ابتناء الاعتقاد على الدليل من الاقتدار على مجادلة الخصوم، و حل ما يورد عليه من الإشكال، و إليه ذهبت المعتزلة، و لم يحكموا بإيمان من عجز عن شيء من ذلك، بل حكم أبو هاشم بكفره، فإن بنوا ذلك على أن ترك النظر كبيرة تخرج من الإيمان إذا طرأت و تمنع من الدخول فيه إذا قارنت، فهي مسألة صاحب الكبيرة، و قد سبقت. و إن أرادوا أن مثل هذا التصديق لا يكفي في الإيمان أو لا ينفع فمسألة أخرى، و بهذا يشعر تمسكاتهم و هي وجوه.
الأول- أن حقيقة الإيمان إدخال النفس في الأمان من أن يكون مكذوبا و مخدوعا و ملتبسا عليه، على أنه إفعال من الأمن للتعدية أو للصيرورة كأنه صار ذا أمن، و ذلك إنما يكون بالعلم. و رد بأنه يجعل متعلقا بالمخبر مثل:
آمنت به، و له. لا بالسامع. فالمناسب عند ملاحظة الاشتقاق من الأمن أن يقال: معناه آمنه المخالفة و التكذيب على ما صرح به المعتزلة. و ذلك بالتصديق سواء كان عن دليل، أو لا. و لو سلم فالأمن [١] من أن يكون مكذوبا أو مخدوعا يحصل بالاعتقاد الجازم، و إن كان عن تقليد.
الثاني- أن الواجب هو العلم. و ذلك لا يكون إلا بالضرورة أو الاستدلال، و لا ضرورة، فتعين الدليل. و رد بأنه لا نزاع في وجوب النظر و الاستدلال بل في أن ترك هذا الواجب يوجب عدم الاعتداد بالتصديق، على
[١]١