شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٦٤
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [١].
و بدليل صحة استثنائه منهم في قوله تعالى: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [٢] و قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [٣].
و رد بالمنع بل كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ و إنما أدرج في الملائكة على سبيل التغليب لكونه جنيا واحدا مغمورا فيما بينهم، لا يقال معنى قوله: «كان من الجن» صار أو كان من طائفة من الملائكة مسماة بالجن، شأنهم الاستكبار، لأنا نقول: هذا مع كونه كلاما على السند خلاف الظاهر.
الثاني- أن قولهم في جواب: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ [٤] اغتياب للخليفة و استبعاد لفعل اللّه تعالى، بحيث يشبه صورة الإنكار بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون، و اتباع للظن، و رجم بالغيب فيما لا يليق، و إعجاب بأنفسهم، و تزكية لها. و أمثال هذه تخل بالعصمة لا محالة.
و الجواب: ان الاغتياب إنما يكون حيث الغرض إظهار منقصة الغير، و التزكية حيث الغرض إظهار منقبة النفس. و لا يتصور ذلك بالنسبة إلى علام الغيوب، بل الغرض التعجب و الاستفسار عن حكمة استخلاف من يتصف بما لا يليق بذلك، مع وجود الأولى و الأليق. و إنما علموا ذلك بإعلام من اللّه تعالى، أو مشاهدة من اللوح، أو مقايسة بين الجن و الإنس بمشاركتهما في الشهوة و الغضب المفضيين إلى الفساد و سفك الدماء. لا يقال قوله تعالى: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ اي في أني استخلف من يتصف بما ذكرتم ينافي كون ذلك متحققا معلوما لهم بإعلام من اللّه تعالى، أو إخبار، أو بمشاهدة من اللوح، لأنا نقول:
[١] سورة الأعراف آية رقم ١٢.
[٢] سورة الأعراف آية رقم ١١.
[٣] سورة الحجر آية رقم ٣٠، ٣١.
[٤] سورة البقرة آية رقم ٣٠.