شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٤٢
أما من التوراة فمنها ما جاء في السفر الخامس [١]: جاء اللّه من طور سيناء، و أشرق من سيعير، و استعلن من جبال فاران، يريد الإخبار عن إنزال التوراة على موسى بطور سيناء. و الإنجيل على عيسى بسيعير، فإنه كان يسكن من سيعير بقرية تسمى ناصرة، و أنزل القرآن على محمد بمكة. فإن فاران في طريق مكة قبل العدن بميلين و نصف، و هو كان المنزل، و قد بقي إلى اليوم [٢] على يسار الطريق من العراق إلى مكة. و هذا ما ذكر في التوراة أن إسماعيل أقام برية فاران، يعني بادية العرب.
و منها ما جاء في السفر الخامس أنه تعالى قال لموسى صلى اللّه عليه و سلّم: إني مقيم لهم نبيا من بني إخوتهم مثلك، و أجري قولي في فيه، و يقول لهم ما آمرهم به، و الرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم باسمي فأنا انتقم منه. و المراد ببني إخوة بني إسرائيل بنو إسماعيل [٣] على ما هو المتعارف، فلا يصرف إلى من بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل، و لا إلى عيسى لأنهم لم يكونوا من بني إخوتهم، و لا إلى موسى لكونه صاحب شريعة مستأنفة فيها بيان مصالح الدارين، فتعين محمد صلى اللّه عليه و سلّم.
و منها ما جاء في السفر الأول أنه تعالى قال لإبراهيم (عليه السلام): إن هاجر تلد، و يكون من ولدها من يده فوق الجميع، و يد الجميع مبسوطة إليه بالخشوع.
و أما في الإنجيل، فمنها ما ورد في الصحاح الرابع عشر: أنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم و يعطيكم فارقليطا ليكون معكم إلى الأبد. و الفارقليط روح الحق و اليقين.
و في الخامس عشر: و أما فارقليط روح القدس الذي يرسله أبي باسمي، و هو يعلمكم و يمنحكم جميع الاشياء، و هو يذكركم ما قلته لكم، ثم قال: و إني قد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنوا به. و قوله: «باسمي» يعني
[١] راجع ما كتبناه في تحقيق الجزء الثاني من كتاب (الفصل في الملل و الأهواء و النحل لابن حزم) طبعة دار عكاظ (جدة) المملكة العربية السعودية.
[٢] سقط من (أ) حرف الجر (إلى).
[٣] قال تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.