شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٢
و أما المقام الثالث: فأشراف العرب مع كمال حذاقتهم في أسرار الكلام، و فرط عداوتهم للإسلام لم يجدوا فيه للطعن مجالا، و لم يوردوا في القدح مقالا، و نسبوه إلى السحر [١] على ما هو دأب المحجوج المبهوت تعجبا من فصاحته، و حسن نظمه و بلاغته، و اعترفوا بأنه ليس من جنس خطب الخطباء أو شعر الشعراء، و أن له حلاوة، و عليه طلاوة و أن أسافله مغدقة، و أعاليه مثمرة، فآثروا المقارعة على المعارضة، و المقاتلة على المقاولة، و أبى اللّه إلا أن يتم نوره على كره المشركين و رغم المعاندين، و حين انتهى الأمر إلى من بعدهم من أعداء الدين، و فرق الملحدين اخترعوا مطاعين ليست إلّا هزءة للساخرين، و ضحكة للناظرين، منها أن فيه كلمات غير عربية كالإستبرق [٢]، و السجيل [٣]، و القسطاس [٤]، و المقاليد.
فكيف يصح أنه عربي مبين؟ فرد بأن ذلك من توافق اللغتين، أو المراد أنه عربي النظم و التركيب، أو الكل عربي على سبيل التغليب، و منها أن فيه خطأ من جهة الإعراب مثل:
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [٥].
و إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئُونَ [٦] و لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [٧] و رد بأن كل ذلك صواب على ما بين في علم الإعراب. و منها أن فيه مما يكذبه، حيث أخبر بأنه لا يتيسر للبشر و الجن، بل الإنس و الجن لا يأتيان بمثل سورة منه، و أقل السور ثلاث آيات. ثم حكى عن موسى مع اعترافه بأن هارون أفصح منه مقدار إحدى عشرة آية منه و هي:
[١] قال تعالى على لسان الكفار أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
[٢] قال تعالى: وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ الكهف آية ٣١
[٣] وَ أَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ سورة هود آية ٨٢
[٤] قال تعالى: وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ سورة الإسراء آية رقم ٣٥
[٥] سورة طه آية رقم ٦٣
[٦] سورة البقرة آية رقم ٦٢.
[٧] سورة النساء آية رقم ١٦٢.