شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٩٢
مجرد المعرفة لحصولها لبعض الكفار على ما تلونا من الآيات، فكاد يفضي ذلك إلى نسبة نفسه مدة من الزمان، و كثير من السلف إلى الجهل بحقيقة الإيمان و إلى الإصرار على أنه لا بد من أمر وراء التصديق و الإقرار. و لأنه اتخذ لفظ التصديق مهجورا مع كونه في بين الأنام مشهورا و على وجه الأيام مذكورا. و بنى الأمر كله على لفظ التسليم بحيث اعتقد كثير من العوام بل الخواص أنهما معنيان مختلفان قد يجتمعان و قد يفترقان، لاحظ لأهل التصديق دون التسليم من الإيمان، و ربما يرى الواحد من غلاة الفريقين و جهلة القبيلين يشمئز من أحد اللفظين، و لا يكتفي بأن يكون التصديق و التسليم مذهبين، و لأنه اعتبر في التسليم تحقيقات و تدقيقات لم تخطر ببال الكثير من المسلمين، بل لا يفهمها إلا الأذكياء من أئمة الدين، فاتخذها جهلة العوام ذريعة إلى تكفير الناس، و تجهيل الخواص، حتى استفتوه في شأن بعض رؤساء الدين و علماء المسلمين، و المهرة من المحققين فأفتى بكفره بناء على أنه أنكر بعض ما أورده هو في تحقيق الإيمان، مع أنك إذا تحققت فبعض منازعاتهما لفظي و بعضها اجتهادي، إلى غير ذلك من أمور قصد بها صلاح الدين، و قمع الجاحدين، لكنها أدت إلى ما أدت و أفضت إلى ما أفضت لما أنه ترك الأرفق إلى الأوفق، و الأليق إلى الأوثق، و لا عليه، فإنه قد بذل الجهد في إحياء مراسم الدين و إعلاء لواء المسلمين، جزاه اللّه خير الجزاء عن أهل اليقين و أعلى درجته يوم اللقاء في عليين.
قال: المقام الثالث- (إن الأعمال غير داخلة في حقيقة الإيمان لما ثبت أنه اسم للتصديق، و لا نقل، و أنه لا ينفع عند معاينة العذاب، و لا عمل، و أن المؤمن قد يؤمر و ينهى مثل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا [٢] و للنصوص الدالة على أنهما أمران متغايران مثل: الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا
[١] سورة البقرة آية رقم ١٨٣.
[٢] سورة الحجرات آية رقم ١ و تكملة الآية بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ..