شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٠٨
الثاني- لو خلقتا لهلكتا، لقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [١] و هو باطل بالنص و الإجماع.
قلنا: يخصان من عموم الآية، أو يحمل الهلاك على غير الفناء، أو تفنيان لحظة، و هو لا ينافي الدوام عرفا.
الثالث- لو وجدتا فإما في هذا العالم، و لا يتصور في أفلاكه لامتناع الخرق و الصعود و الهبوط، و لا في عناصره، لأنها لا تسع جنة عرضها كعرض السماء، و لأن عود الروح إلى البدن في عالم العناصر تناسخ. و إما في عالم آخر، و هو باطل لأنه لافتقاره إلى تحدد الجهات يكون كريا، فيكون بين العالمين خلاء، و لأنه يشتمل على عناصر و أحياز طبيعية لها، فيكون لعنصر واحد حيزان طبيعيان، و يلزم ميله إليه و عنه. قلنا: أكثر المقدمات فلسفية، مع أنه لا يمتنع كون العالمين في محيط بهما بمنزلة تدويرين في فلك، و لا كون العناصر مختلفة الطبائع، و لا كون تحيزها في أحد العالمين حيز طبيعي. و التناسخ تعلق النفس في هذا العالم ببدن آخر.)
جمهور المسلمين على أن الجنة و النار مخلوقتان الآن، خلافا لأبي هاشم و القاضي عبد الجبار [٢]، و من يجري مجراهما من المعتزلة، حيث زعموا أنهما إنما يخلقان يوم الجزاء. لنا وجهان:
الأول- قصة آدم و حواء، و إسكانهما الجنة، ثم إخراجهما عنها بأكل الشجرة، و كونهما يخصفان عليهما من ورق الجنة على ما نطق به الكتاب و السنة، و انعقد عليه الإجماع قبل ظهور المخالفين، و حملهما على بستان من بساتين الدنيا يجري
[١] سورة القصص آية رقم ٨٨.
[٢] هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني أبو الحسين قاض أصولي كان شيخ المعتزلة في عصره، و هم يلقبونه قاضي القضاة ولي القضاء بالري و مات بها عام ٤١٥ ه له تصانيف كثيرة منها تنزيه القرآن عن المطاعن، و شرح الأصول الخمسة، و المغني في أبواب التوحيد و العدل، و غير ذلك كثير.