شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١٨
عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء اللّه فيعودون و هو كهيئته فيحفرونه و يخرجون، مقدمتهم بالشام، و ساقتهم بخراسان فيشربون المياه، و ينحصر الناس منهم في حصونهم، و لا يقدرون على إتيان مكة و المدينة و بيت المقدس، فيرسل اللّه عليهم نغفا في أمعائهم، فيهلكون جميعا، فيرسل طيرا فيلقيهم في البحر، و يرسل مطرا فيغسل الأرض. و خروجهم يكون بعد خروج الدجال و قتل عيسى إياه.
فإن قيل: بعض هذه الأحاديث يشعر بأن الأمة في آخر الزمان شر الخلق قليل الخير، و قد قال النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): «مثل أمتي مثل المطر، لا يدري أوله خير أم آخره» [١].
قلنا: الشرارة الظاهرة التي لا شك معها في خيرية القرون السابقة إنما هي عند غاية قرب الساعة، و حين انقراض زمن التكليف، أو كاد على ما ورد في الحديث أنه يمكث عيسى بن مريم في الناس بعد قتل الدجال سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل اللّه ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان [٢] إلا قبضته، و يبقى شرار الناس في خفة الطير و أحلام السباع، لا يعرفون معروفا و لا ينكرون منكرا، فيأمرهم الشيطان بعبادة الأوثان، و هم في ذلك دارّ رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور. و هذا ما قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «لا تقوم الساعة على أحد يقول: اللّه اللّه» [٣].
و أما في آخر الزمان عند كون الأمة في الجملة على الطاعة و الإيمان، فلا يبعد كونهم خيرا عند اللّه و أكثر ثوابا باعتبار انقيادهم و إيمانهم مع الغيبة عن مشاهدة نزول الوحي و ظهور المعجزات، و هبوط الخيرات و البركات، و باعتبار ثباتهم على الإيمان و الطاعات و العلوم و المعارف، و إرشاد الطوائف مع فساد الزمان و شيوع المنكرات، و كساد الفضائل، و رواج الرذائل، و استيلاء أهل
[١] سبق تخريج هذا الحديث في هذا الجزء.
[٢] سقط من (ب) لفظ (إيمان).
[٣] سبق تخريج هذا الحديث في هذا الجزء.