شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٩
و التصديق، فذلك بحث آخر. لكن الكلام في إمكان الإيقان بدل الإذعان، و في كون بعض الكفار موقنين بجميع ما جاء به النبي (عليه السلام) غير مصدقين، و في أن كفرهم ليس من جهة الإباء عن الإقرار باللسان و الاستكبار عن امتثال الأوامر، و قبول الأحكام، و الإصرار على التكذيب باللسان، إلى غير ذلك من موجبات الكفر، مع تصديق القلب لعدم الاعتداد به مع تلك الأمارات، كما في إلقاء المصحف في القاذورات.
الثالث- أنّا لا نفهم من نسبة الصدق إلى المتكلم بالقلب سوى إذعانه و قبوله و إدراكه لهذا المعنى. أعني كون المتكلم صادقا من غير أن يتصور هناك فعل و تأثير من القلب. و نقطع بأن هذا كيفية للنفس قد تحصل بالكسب و الاختيار و مباشرة الأسباب، و قد تحصل بدونها. فغاية الأمر أن يشترط فيما اعتبر في الإيمان أن يكون تحصيله بالاختيار على ما هو قاعدة المأمور به. و اما أن هذا فعل و تأثير من النفس، لا كيفية لها، و أن الاختيار معتبر في مفهوم التصديق اللغوي فممنوع، بل معلوم الانتفاء قطعا. و لو كان الإيمان و التصديق من مقولة الفعل دون الكيف [١] لما صح الاتصاف به حقيقة إلا حال المباشرة و التحصيل، كما لا يخفى على من يعرف معنى هذه المقولة.
الرابع- أنه وقع في كلام كثير من عظماء الملة، و علماء الأمة مكان لفظ التصديق لفظ المعرفة و الاعتقاد فينبغي أن يحمل على العلم التصديق المعبر عنه بگرويدن، و يقطع بأن التصديق من جنس العلوم و الاعتقادات، لكنه في الإيمان مشروط بقيود و خصوصيات كالتحصيل و الاختيار، و ترك الجحود و الاستكبار. و يدل على ذلك ما ذكره أمير المؤمنين (علي كرم اللّه وجهه) أن الإيمان معرفة، و المعرفة تسليم، و التسليم تصديق.
[١] الكيف: هيئة قارة في الشيء لا يقتضي قسمة و لا نسبة لذاته فقوله هيئة يشمل الأعراض كلها، و قوله قارة في الشيء احتراز عن الهيئة الغير قارة كالحركة و الزمان، و الفعل و الانفعال، و قوله لا يقتضي قسمة يخرج الكم، و قوله و لا نسبة يخرج الأعم، و قوله لذاته ليدخل فيه الكيفيات المقتضية للقسمة أو النسبة بواسطة اقتضاء محلها ذلك و هي أربعة أنواع: الأول الكيفيات المحسوسة إلخ راجع التعريفات للجرجاني ص ١٦٦.