شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨
و ثانيا: أن كلامنا فيما حصل الجزم بأنه خارق للعادة، و أن المتحدين عجزوا عن معارضته، مع كونهم أحق بها إن أمكنت لكثرة اشتغالهم بما يناسب ذلك، و كمالهم فيه، و فرط اهتمامهم بالمعارضة، و توفر دواعيهم. و لهذا كانت معجزة كل نبي من جنس ما غلب على أهل زمانه، و تهالكوا عليه و تفاخروا به، كالسحر في زمن موسى (عليه السلام)، و الطب في زمن عيسى، و الموسيقى في زمن داود، و الفصاحة في زمن محمد (صلى اللّه عليه و سلّم).
و ثالثا: أنه لا خفاء و لا خلاف في ترتيب الغايات و الآثار على بعض أفعاله و إن لم يجعلها أغراضا له على أنا لا نقول إنه فعل المعجزة لغرض التصديق، بل إنها دلت على تصديق من اللّه تعالى قائم بذاته، سواء جعل من جنس العلم أو كلام النفس، أو غيرهما.
و رابعا: أن ظهور المعجزة على يد الكاذب لأي غرض فرض و إن جاز عقلا بناء على شمول قدرة اللّه، فهو ممتنع عادة معلوم الانتفاء قطعا، كما هو حكم سائر العاديات، و هذا ما قال القاضي: إن اقتران ظهور المعجزة بالصدق أحد العاديات، فإذا جوزنا انحرافها عن مجراها، جاز إخلاء المعجزة عن اعتقاد الصدق، و حينئذ يجوز إظهاره على يد الكاذب، و إما بدون ذلك فلا، لاستحالة العلم بصدق الكاذب، و منا من قال باستحالته عقلا، فالشيخ لافضائه إلى التعجيز عن إقامة الدلالة على صدق دعوى الرسالة، و الإمام و كثير من المتكلمين، لأن الصدق مدلول بها لازم بمنزلة العلم لإتقان الفعل، فلو ظهرت من الكاذب، لزم كونه صادقا كاذبا، و هو محال، و الماتريدية لإيجابه التسوية بين الصادق و الكاذب، و عدم التفرقة بين النبي و المتنبي، و هو سفه لا يليق بالحكيم.
و خامسا: أن مجرد إظهار المعجزة على يده يفيدنا العلم بصدقة، و بتصديق اللّه إياه من غير افتقار إلى اعتبار كلام و إخبار، و من هنا يصح التمسك بخبر النبي في إثبات الكلام، و امتناع الكذب و النقص على ما مر، و إلى هذا يشير ما قال إمام الحرمين، أنا نجعل إظهار المعجزة تصديقا بمنزلة أن يقول: جعلته رسولا، و أنشأت الرسالة فيه كقولك: جعلتك وكيلا، و استنبتك بشأن من غير قصد إلى