شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٤٤
ضبط ذلك، بل هو مفوض إلى علم اللّه، ثم افترقا فزعم أبو علي [١] ان الأقل يسقط، و لا يسقط من الأكثر شيئا، و سقوط الأقل يكون عقابا إذا كان الساقط ثوابا، و ثوابا إذا كان الساقط عقابا. و هذا هو الإحباط المحض.
و قال أبو هاشم: الأقل يسقط. و يسقط من الأكثر ما يقابله. مثلا: من له مائة جزء من العقاب و اكتسب الف جزء من الثواب فإنه يسقط عنه العقاب و مائة جزء من الثواب بمقابلته و يبقى له تسعمائة جزء من الثواب. و من له مائة جزء من الثواب و اكتسب الفا من العقاب، سقط ثوابه و مائة جزء من عقابه. و هذا هو القول بالموازنة، لا ما قال في المواقف انه يوازن بين الطاعات و المعاصي، فأيهما رجح أحبط الآخر، و اختلفت كلمتهم في أن الإحباط و الموازنة بين الفعلين أعني الطاعة و المعصية، أو المستحقين أعني الثواب و العقاب. أو الاستحقاقين، مال الجبائي إلى الأول و أبو هاشم الى الثاني، و هو المختار عند الأكثرين.
و بالجملة لا يخفي على أحد أن القول بما ذهبا إليه من الإحباط و الموازنة لا يصح إلا بنص من الشارع صريح، و نقل صحيح. و استدل الإمام الرازي [٢] على بطلانه بأن الأكثر إذا أحبط الأقل، فإن لم يحبط منه شيء، كما هو رأي أبو علي، صارت الطاعة السابقة لغوا محضا لا تجلب نفعا و لا تدفع ضرا، و هو باطل إما عقلا فلكونه ظلما، و لأنه ليس انتفاء الباقي بطرءان الحادث أولى من اندفاع الحادث بوجود الباقي. و إما سمعا فلقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [٣] و غير ذلك. و إن حبط من الأكثر ما يوازن الأقل كما هو رأي أبي هاشم فباطل أيضا.
أما أولا فلأنهما لما كانا متنافيين، كان طرآن الحادث مشروطا بزوال السابق [٤]. فلو كان زواله لأجل طرآن الحادث، لزم الدور.
و أما ثانيا فلأن تأثير ذلك الاستحقاق القليل في بعض أجزاء الكثير ليس
[١] هو أبو هاشم الجبائي: سبق الترجمة له في كلمة وافية في الجزء الأول.
[٢] سبق الترجمة له في هذا الجزء في كلمة وافية.
[٣] سورة الزلزلة آية رقم ٧.
[٤] بزيادة لفظ (عليه) في (ب).