شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٤
نفس شريفة شديدة الاتصال بعالم العقل، قليلة الالتفات إلى عالم الحس، و متخيلة شديدة جدا قوية التلقي من عالم الغيب، قليلة الانغماس في جانب الظاهر، لا يعصيها المصورة و لا يشغلها المحسوسات عن أفعالها الخاصة، و يحصل لذلك الإنسان في اليقظة أن يتصل بعالم الغيب، و يتمثل لقوته المتخيلة العقول المجردة و النفوس السماوية أشباحا مصورة سيما العقل الفعال [١] الذي له زيادة اختصاص بعالم العناصر، فتخاطبه و تحدث في سمعه كلاما مسموعا يحفظ و يتلى، و يكون ذلك من قبل اللّه و ملائكته، لا من الإنسان، و هذا معنى الوحي و نزول الملك و الكتاب. و قد يكون ذلك على غاية الكمال، فيعبر عنها بمشاهدة وجه اللّه الكريم و سماع كلامه من غير واسطة.
و أما تقريرهم في كون النبي مبعوثا من قبل الباري تعالى لحفظ النظام و صلاح العباد في المعاش و المعاد، مع أنهم لا يثبتون له الفعل بالاختيار و العلم بالجزئيات، و يقطعون بأنه- بل جميع المبادي العالية- لا يفعل لغرض في الأمور السافلة، فهو أن العناية الإلهية بمخلوقاته، أعني إحاطة علمه السابق بنظام الموجودات على الوجه الأليق في الأوقات المترتبة التي يقع كل موجود منها في واحد من تلك الأوقات يقتضي إفاضة ذلك النظام على ذلك الترتيب و التفصيل الذي من جملته وجود الشرع و الشارع و وجوب ما به يكون النظام على وجه الصواب، فيجب ذلك عنه و عن إحاطته بكيفية الصواب في ترتيب وجود الكل ليكون الموجود على وفق المعلوم و على أحسن النظام، و إن لم يكن هناك انبعاث قصد و طلب منه تعالى، و هذا ما قال في الشفاء إن العناية الإلهية تقتضي المصالح التي لها منفعة ما في البقاء، كإنبات الشعر على الأشفار و على الحاجبين، و تقعير الأخمص من القدمين، فكيف لا تقتضي المنفعة التي هي في محل الضرورة للبقاء، و لتمهيد نظام الخير و أساس المنافع كلها، و كيف لا يجب و قد وجدها هو مبني عليها و متعلق بها، و كيف يجوز أن يكون المبدأ الأول و الملائكة بعده يعلمون ذلك و لا يعلمون هذا.
[١] هو أن تصير النظريات مخزونة عند قوة العاقلة بتكرار الاكتساب بحيث يحصل لها ملكة الاستحضار متى شاءت من غير تجشم كسب جديد لكنها لا يشاهدها بالفعل.