شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٠٥
أحدهما صون الأذهان السليمة عن التدنس بالعقائد الردية التي توقعها حكايات بعض الروافض و رواياتهم.
و ثانيها ابتناء بعض الأحكام الفقهية في باب البغاة عليها. إذ ليس في ذلك نصوص يرجع إليها، و لهذا قال أبو حنيفة [١] (رحمه اللّه تعالى) لو لا علي لم نكن نعرف السيرة في الخوارج و كان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) خص عليا (رضي اللّه عنه) بتعليم تلك الأحكام لما علم من اختصاصه بالحاجة إليها أو علمها غيره أيضا، لكنهم لم يحتاجوا إلى البيان و التبليغ لما رأوا من معاملة علي (رضي اللّه تعالى عنه) على و فقها من غير تغيير، فنقول أما توقف علي (رضي اللّه عنه) في بيعة أبي بكر (رضي اللّه تعالى عنه) فيحمل على أنه لما أصابه من الكآبة و الحزن بفقد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) لم يتفرغ للنظر و الاجتهاد فلما نظر و ظهر له الحق، دخل فيما دخل فيه الجماعة. و أما توقفه عن نصرة عثمان (رضي اللّه تعالى عنه)، و دفع الغوغاء عنه فلأنه لم يأذن في ذلك و كان يتجافى عن الحرب و إراقة الدماء، حتى قال: من وضع السلاح من غلماني فهو حر. و مع ذلك فقد دفع عنه الحسنان [٢] (رضي اللّه عنهما) و لم ينفع، و كان ما كان، و لم يكن رضا من علي (رضي اللّه عنه) بذلك و إعانة عليه. و لهذا قال (رضي اللّه عنه): و اللّه ما قتلت عثمان و لا مالأت عليه و توقف في قبول البيعة إعظاما لقتل عثمان و إنكارا، و كذا طلحة و الزبير. إلا أن من حضر من وجوه المهاجرين و الأنصار أقسموا عليه و ناشدوه اللّه في حفظ بقية الأمة و صيانة دار الهجرة، إذ قتلة عثمان قصدوا الاستيلاء على المدينة، و الفتك بأهلها و كانوا جهلة لا سابقة لهم في الإسلام، و لا علم لهم بأمر الدين، و لا صحبة مع الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) فقبل البيعة. و توقفه عن قصاص قتلة عثمان (رضي اللّه تعالى عنه) إما لشوكتهم و كثرتهم و قوتهم و حرصهم بالخروج على من يطالبهم بدمه. فاقتضى النظر الصائب تأخير الأمر احترازا عن إثارة الفتنة و إما لأنه رأى أنهم بغاة لما لهم من المنعة الظاهرة و التأويل
[١] هو النعمان بن ثابت، أبو حنيفة، أحد الأئمة الأربعة ولد عام ٨٠ ه و توفي عام ١٥٠ ه و راجع تاريخ بغداد ١٣: ٣٢٣- ٤٢٣ و ابن خلكان ٢: ١٦٣، و النجوم الزاهرة ٢: ١٢ و البداية و النهاية ١٠: ١٠٧.
[٢] الحسن، و الحسين أولاد الإمام علي و أمهما فاطمة الزهراء بنت الرسول- صلى اللّه عليه و سلّم.