شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٥٨
من الحسد، و عدم إرادة الخير للغير.
و الجواب: أن ذلك لم يكن حسدا، بل طلبا للمعجزة على وفق ما غلب في زمانه، و لاق بحاله. فإنهم كانوا يفتخرون في ذلك العهد بالملك و الجاه، و هو كان ناشئا في بيت الملك و النبوة، و وارثا لهما، أو إظهارا لإمكان طاعة اللّه و عبادته مع هذا الملك العظيم. و قيل: أراد ملكا لا يورث مني، و هو ملك الدين، لا الدنيا، أو ملكا لا أسلبه، و لا يقوم فيه غيري مقامي، كما وقع ذلك مرة. و قيل: ملكا خفيا لا ينبغي للناس، و هي القناعة. و قيل: كان ملكه عظيما، فخاف أن لا يقوم غيره بشكره و لا يحافظ فيه على حدود اللّه.
و أما في قصة يونس مما يشعر به قوله تعالى: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [١] فالجواب أن المغاضبة على الكفار المعاندين، لا على اللّه تعالى. و معنى:
«لن نقدر»، لن نضيق عليه. كما في قوله تعالى: فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [٢] فلا يوجب شكا في القدرة. و معنى الظلم في قوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [٣] ترك الأفضل و هو الصبر. و هذا معنى قوله تعالى: وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [٤] أي في ترك الصبر على معاندة الكفار.
و أما في حق نبينا فمثل: وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [٥] و لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ [٦] و لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ [٧].
محمول على ما فرط منه من الزلة و ترك الأفضل، و قوله: وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [٨].
معناه فقدان الشرائع و الأحكام، و قيل: إنه ضل في صباه في بعض شعاب
[١] سورة الأنبياء آية رقم ٨٧.
[٢] سورة الفجر آية رقم ١٦.
[٣] سورة الأنبياء آية رقم ٨٧.
[٤] سورة القلم آية رقم ٤٨.
[٥] سورة غافر آية رقم ٥٥.
[٦] سورة التوبة آية رقم ١١٧.
[٧] سورة الفتح آية رقم ٢.
[٨] سورة الضحى آية رقم ٧.