شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٤٨
يربى وزرها على أجرها فكان من حقهم أن يدرءوا بها جميع الكبائر، فإذا لم يفعلوا ذلك، بطل هذيانهم بتغالب الأعمال و سقوط أقلها بأكثرها. و مما يجب التنبيه أنه لا فرق عندهم بين أن يكون المعاصي طارئة على الطاعات أو سابقة عليها، أو متخللة بينهما، و أن ما يوهم به كلام البعض من اختصاص الحكم بما إذا كانت الكبيرة طارئة ليس بشيء.
[المبحث الثاني عشر القول عن العفو فى الصغائر و القول فى الكبائر]
قال: المبحث الثاني عشر- اتفقت الأمة (اتفقت الأمة على العفو عن الصغائر مطلقا، و عن الكبائر بعد التوبة، و على أنه لا عفو عن الكفر على اختلاف في الجواز عقلا، و اختلفوا في العفو عن الكبائر بدون التوبة، فجوزه أصحابنا، بل أثبتوه، و منعه المعتزلة سمعا، و إن جاز عقلا عند الأكثرين منهم. لنا على الجواز أن العقاب حقه. فله إسقاطه. و على الوقوع النصوص الناطقة:
وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ [١] وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [٢] إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [٣] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [٤] و في الأحاديث أيضا كثرة، و التخصيص بالصغائر أو بما بعد التوبة أو الحمل على تأخير العقوبات المستحقة، أو عدم شرع الحدود في غاية المعاصي، أو على ترك وضع الآصار عليهم. و الفضائح في الدنيا، مع كونه عدولا عن الظاهر بلا دليل و مخالفة لأقوال المفسرين و للأحاديث الصحيحة الصريحة مما لا يصح في البعض، إذ المغفرة بالتوبة لا يخص ما دون الشرك، و لا يلائم التعليق بالمشيئة، و باقي المعاني لا يناسب النفي عن الشرك).
و نطق الكتاب و السنة بأن اللّه تعالى عفو غفور يعفو عن الصغائر مطلقا، و عن الكبائر بعد التوبة، و لا يعفو عن الكفر قطعا، و إن جاز عقلا، و منع بعضهم الجواز
[١] سورة الشورى آية رقم ٢٥.
[٢] سورة المائدة آية رقم ١٥.
[٣] سورة الزمر آية رقم ٥٣.
[٤] سورة النساء آية رقم ٤٨، ١١٦.