شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٤٧
بمحمد (عليه السلام) و الاتباع لشريعته لما فيهما من البشارة ببعثته، و الإنباء عن الاهتداء بمتابعته. فإن قيل: أ ليس عيسى (عليه السلام) حيا بعد نبينا، رفع إلى السماء، و سينزل إلى الدنيا؟ قلنا: بلى، و لكنه على شريعة نبينا، لا يسعه إلا اتباعه، على ما قال (عليه السلام) في حق موسى أنه لو كان حيا لما وسعه إلا اتباعي، فيصح أنه خاتم الأنبياء، بمعنى أنه لا يبعث نبي بعده، و أجمع المسلمون على أن أفضل الأنبياء محمد، لأن أمته خير الأمم لقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [١] وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [٢].
و تفضيل الأمة من حيث إنها أمة تفضيل للرسول الذي هم أمته، و لأنه مبعوث إلى الثقلين، و خاتم الأنبياء و الرسل، و معجزته الظاهرة الباهرة باقية على وجه الزمان، و شريعته ناسخة لجميع الأديان، و شهادته قائمة في القيامة على كافة البشر، الى غير ذلك من خصائص لا تعد و لا تحصى. و قوله تعالى: وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [٣].
إشارة إلى ذلك، و الأحاديث الصحاح في هذا المعنى كثيرة، حتى قال (عليه السلام): أنا أكرم الأولين و الآخرين على اللّه تعالى و لا فخر. كما قال (عليه السلام): لا تخيروني على موسى، و ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى تواضع منه.
و اختلفوا في الأفضل بعده، فقيل: آدم، لكونه أبا البشر. و قيل: نوح، لطول عبادته و مجاهدته. و قيل: إبراهيم، لزيادة توكله و اطمئنانه. و قيل: موسى، لكونه كليم اللّه و نجيه. و قيل: عيسى، لكونه روح اللّه و صفيه. و فضله النصارى على الكل بأنه كلمة ألقاها إلى مريم و روح منه، طاهر مقدس، لم يخلق من نطفة، و قد ولدته سيدة نساء العالمين المطهرة عن الأدناس، و تربى في حجر الأنبياء و الأولياء، و تكلم
[١] سورة آل عمران آية رقم ١٩.
[٢] سورة البقرة آية رقم ١٤٣.
[٣] سورة البقرة آية رقم ٢٥٣.