شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٠٢
الأول- الإجماع على ذلك قبل ظهور المخالفين، كبعض المتأخرين من المعتزلة، و أهل السنة. ورد بالمنع، كيف و قد أطبقت معتزلة بغداد على خلافه.
نعم، كان الصحابة مجمعين على بقاء الحق و فناء الخلق، بمعنى هلاك الأشياء، و موت الأحياء، و تفرق الأجزاء، لا بمعنى انعدام الجواهر بالكلية، لأن الظاهر أنهم لم يكونوا يخوضون في هذه التدقيقات.
الثاني قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ [١] أي في الوجود. و لا يتصور ذلك إلا بانعدام ما سواه. و ليس بعد القيامة وفاقا. فيكون قبلها.
و أجيب بأنه يجوز أن يكون المعنى هو مبدأ كل موجود، و غاية كل مقصود، أو هو المتوحد في الألوهية أو صفات الكمال، كما إذا قيل لك: أ هذا أول من زارك أو آخرهم؟ فتقول: هو الأول و الآخر، و تريد أنه لا زائر سواه. أو هو الأول و الآخر بالنسبة إلى كل حي. بمعنى أنه يبقى بعد موت جميع الأحياء. أو هو الأول خلقا و الآخر رزقا كما قال: خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ [٢] و بالجملة فليس المراد أنه آخر كل شيء بحسب الزمان للاتفاق على أبدية الجنة و من فيها.
الثالث- قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [٣] فإن المراد به الانعدام، لا الخروج عن كونه منتفعا به. لأن الشيء بعد التفرق يبقى دليلا على الصانع، و ذلك من أعظم المنافع.
و أجيب بأن المعنى أنه هالك في حد ذاته لكونه ممكنا لا يستحق الوجود إلا بالنظر إلى العلة. أو المراد بالهلاك الموت، أو الخروج عن الانتفاع المقصود به اللائق بحاله. كما يقال: هلك الطعام إذا لم يبق صالحا للآكل، و إن صلح لمنفعة
[١] سورة الحديد آية رقم ٣.
[٢] سورة الروم آية رقم ٤٠.
[٣] سورة القصص آية رقم ٨٨.