شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٧
و نحن نقول: لا شك أن التصديق المعتبر في الإيمان هو ما يعبر عنه في الفارسية بگرويدن و باور كردن و راستگوى داشتن إذا أضيف إلى الحاكم، و راست داشتن و حق داشتن إذا أضيف إلى الحكم. و لا يكفي مجرد العلم و المعرفة الخالي عن هذا المعني. لكن هاهنا مواضع نظر و مطارح فكر لا بد من التنبيه عليها، و لا غنى من الإشارة إليها:
الأول- أنه ليس معنى كون المأمور به مقدورا. و اختياريا أنه يلزم أن يكون البتة من مقولة الفعل التي ربما ينازع في كونها من الأعيان الخارجية دون الاعتبارات العقلية، بل أن يصح تعلق قدرته به، و حصوله بكسبه و اختياره، سواء كان في نفسه من الأوضاع و الهيئات، كالقيام و القعود، أو الكيفيات كالعلم و النظر. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [١] قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [٢]. أو الانفعالات كالتسخين، و التبرد، و الحركات، و السكنات، و غير ذلك، كالصلاة. أو التروك كالصوم، إلى غير ذلك. و مع هذا فالواجب المقدور المثاب عليه بحكم الشرع يكون نفس تلك الأمور، لا مجرد إيقاعها.
فكون الإيمان مأمورا به اختياريا، مقدورا مثابا عليه، لا ينافي كونه كيفية نفسانية يكتسبها المكلف بقدرته و اختياره بتوفيق اللّه تعالى و هدايته على أنه لو لزم كون المأمور به هو الفعل بمعنى التأثير، جاز أن يكون معنى الأمر بالإيمان الأمر بإيقاعه و اكتسابه و تحصيله، كما في سائر الواجبات.
الثاني- أن ابن سينا، و هو القدرة في فن المنطق و الثقة في تفسير ألفاظه و شرح معانيه صرح بأن التصديق المنطقي الذي قسم العلم إليه و إلى التصور هو بعينه اللغوي المعبر عنه في الفارسية «بگرويدن» المقابل للتكذيب، قال في كتابه المسمى «بدانشنامه» «علائى دانش» «دو كونه است يكى دريافتن و در رسيدن و آن را أبتازى قصور خوانند و دوم گرويدن و آن را به تازى تصديق خوانند».
و هذا صريح بأن ثاني قسمي العلم هو المعنى الذي وضع بإزائه لفظ التصديق في لغة العرب، «و گرويدن» في لغة الفرس، و نفى لما عسى يذهب إليه معاند
[١] سورة محمد آية رقم ١٩.
[٢] سورة يونس آية رقم ١٠١.