شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٨٩
و بما و رد في الحديث من كون أهل الجنة جردا مردا، و كون ضرس الجهنمي مثل أحد لنا أنه أمر ممكن، أخبر به الصادق، إذ تواتر من نبينا القول به و ورد في التنزيل ما لا يحتمل التأويل مثل:
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [١] فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [٢] و قوله: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [٣] يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ [٤] إلى غير ذلك من الآيات و الأحاديث، و حملها على التمثيل للمعاد الروحاني ترغيبا و ترهيبا للعوام، و تتميما لأمر النظام نسبة للأنبياء إلى الكذب في التبليغ، و القصد إلى التضليل.)
الفلاسفة الطبيعيون الذين لا يعتد بهم في المسألة، و لا في الفلسفة، أنه لا معاد للبشر اصلا، زعما منهم أنه هذا الهيكل المحسوس بما له من المزاج، و القوى، و الأعراض، و أن ذلك يفنى بالموت و زوال الحياة، و لا يبقى إلا المواد العنصرية المتفرقة، و أنه لا إعادة للمعدوم، و في هذا تكذيب للعقل على ما يراه المحققون من أهل الفلسفة، و للشرع على ما يراه المحققون من أهل الملة.
و توقف جالينوس في أمر المعاد لتردده في أن النفس هو المزاج، فيفنى بالموت، فلا يعاد، أم جوهر باق بعد الموت يكون له المعاد. و اتفق المحققون من الفلاسفة، و المليين على حقية المعاد و اختلفوا في كيفيته، فذهب جمهور المسلمين إلى أنه جسماني فقط، لأن الروح عندهم جسم سار في البدن سريان النار في الفحم، و الماء في الورد. و ذهب الفلاسفة إلى أنه روحاني فقط، لأن البدن ينعدم بصوره و أعراضه، فلا يعاد. و النفس جوهر مجرد باق لا سبيل إليه للفناء، فيعود إلى عالم المجردات بقطع
[١] سورة يس آية رقم ٧٩.
[٢] سورة يس آية رقم ٥١.
[٣] سورة القيامة آية رقم ٣.
[٤] سورة ق آية رقم ٤٤.