شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٥١
و يجعل العفو عن الكفر جائزا غير واقع. و عليه الأشاعرة [١] و كثير من المتكلمين.
قال: للمانعين عقلا (للمانعين عقلا أن جواز العفو إغراء على القبيح فيمتنع. ورد بعد تسليم القاعدة بمنع كونه إغراء، بل مجرد احتمال العقوبة زاجر، فكيف مع الرجحان و شهادة النصوص.).
تمسكت الوعيدية القائلون بعدم جواز العفو عن الكبائر عقلا، و هم البلخي [٢] و أتباعه بأنه إغراء على القبيح، لأن المكلف يتكل على العفو و يرتكب القبائح، و هذا قبيح يمتنع إسناده إلى اللّه تعالى. و أجيب بعد تسليم قاعدة الحسن و القبح العقليين بأن مجرد احتمال العقوبة يصلح زاجرا للعاقل عن ارتكاب الباطل، فكيف مع الآيات القاطعة بالعذاب و الوعيدات الشائعة في ذلك الباب. فكيف يكون احتمال تركها، بل وقوعه في الجملة، و بالنسبة إلى من لا يعلمه إلا اللّه مظنة للإغراء و مفضية الى الاجتراء، ألا ترى أن قبول التوبة مع وجوبه عندكم، و عزم كل أحد عليها غالبا ليس بإغراء، و التردد في نيل توفيقها لا يزيد على التردد في نيل كرامة العفو؟.
فإن قيل: ترك العفو ادعى الى الطاعة، فيكون لطفا فيجب، فيمتنع العفو.
قلنا: منقوض بقبول التوبة [٣] و تأخير العقوبة [٤] و إن ادعى وجه مفسدة في تركهما منعنا انتفاءه في ترك العفو. فإن في العفو لطفا بالعبد في تأدية وظيفة مزيد
[١] سبق الحديث على فرقة الأشاعرة و رئيسهم أبي الحسن الأشعري، في الجزء الأول من هذا الكتاب فليرجع إليه. و باللّه التوفيق.
[٢] هو أحمد بن سهل، أبو زيد البلخى أحد الكبار الأفذاذ من علماء الإسلام، جمع بين الشريعة و الفلسفة ولد في إحدى قرى بلخ عام ٢٣٥ ه من كتبه: أقسام العلوم، و شرائع الأديان، و كتاب السياسة الكبير و الصغير، و الأسماء و الكنى و الألقاب، ما يصح من أحكام النجوم، أقسام علوم الفلسفة و غير ذلك كثير توفي عام ٣٢٢ ه، راجع الفهرست و حكماء الإسلام، و لسان الميزان ١:
١٨٣.
[٣] في (ب) بزيادة (من العبد).
[٤] في (ب) بزيادة لفظ (عنه).