شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٥٦
ليس رضاء به. بل الغرض إظهار إبطاله، او اظهار معجزته، و لا يتم الا به و قيل لم يكن حراما حينئذ، و إلقاء الألواح كان عن دهشة و تحير لشدة غضبه و الأخذ برأس هارون، و جره إليه لم يكن على سبيل الإيذاء، بل كان يدنيه الى نفسه ليتفحص منه حقيقة الحال، فخاف هارون أن يحمله بنو إسرائيل على الإيذاء، و يفضي إلى شماتة الأعداء، فلم يثبت بذلك ذنب له، و لا لهارون، فإنه كان ينهاهم عن عبادة العجل، و قوله للخضر: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [١] أي عجبا.
و ما فعله الخضر كان بإذن اللّه تعالى.
و أما في قصة داود (عليه السلام)، فلم يثبت سوى أنه خطب امرأة كان خطبها أوريا، فزوجها أولياؤها داود دون أوريا، أو سأل أن ينزل عنها فيطلقها، و كان ذلك عادة في عهده، فكان زلة منه لاستغنائه بتسعة و تسعين، و الخصمان كانا ملكين أرسلهما اللّه تعالى إليه لينبهاه، فلما تنبه، استغفر ربه، و خرّ راكعا و أناب. و سياق الآيات يدل على كرامته عند اللّه تعالى، و نزاهته عما ينسبه إليه الحشوية، إلا أنه بالغ في التضرع و التحزن و البكاء و الاستغفار استعظاما للزلة بالنظر إلى ماله من رفيع المنزلة، و تقرير الملكين تمثيل و تصوير للقصة، لا إخبار بمضمون الكلام، ليلزم الكذب، و يحتاج إلى ما قيل إن المتخاصمين كانا لصين دخلا عليه للسرقة، فلما رآهما اخترعا الدعوى. أو كانا راعيي غنم ظلم أحدهما الآخر، و الكلام على حقيقته.
و أما في قصة سليمان فأمور:
أحدها ما أشير إليه بقوله: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ... [٢] الخ.
و ذلك انه اشتغل باستعراض الأفراس حتى غربت الشمس، و غفل عن العصر، أو عن ورد كان له وقت العشي، فاغتمّ لذلك، و استرد الأفراس فعقرها.
[١] سورة الكهف آية رقم ٧٤.
[٢] سورة ص آية رقم ٣١.