شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٨٠
مع أنه أعرف بالمصالح و المفاسد و أوفر شفقة على الأمة، لم يستخلف أحدا، بل عزل عمر بعد ما ولاه أمر الصدقات. فاستخلافه و توليته جميع أمور المسلمين مخالفة للرسول، و ترك لما وجب من اتباعه.
و الجواب أنا لا نسلم أنه لم يستخلف أحدا بل استخلف إجماعا. أما عندنا فأبا بكر، و أما عندكم فعليا، و لا نسلم أنه عزل عمر، بل انقضى توليته بانقضاء شغله كما إذا و ليت أحدا عملا فأتمه، فلم يبق عاملا. فإنه ليس من العزل في شيء. و لا نسلم أن مجرد فعل ما لم يفعله النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) مخالفة له و ترك لاتباعه. و إنما يكون ذلك إذا فعل ما نهى عنه أو ترك ما أمر به و لا نسلم أن هذا قادح في استحقاق الإمامة.
و منها أنه لم يكن عارفا بالأحكام حتى قطع يسار سارق من الكوع، لا يمينه.
و قال لجدة سألته عن إرثها: لا أجد لك شيئا في كتاب اللّه، و لا سنة نبيه. فأخبره المغيرة، و محمد بن سلمة أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) أعطاها السدس، و قال: اعطوا الجدات السدس [١]. و لم يعرف الكلالة و هي من لا والد له و لا ولد. و كل وارث ليس بوالد و لا ولد.
و الجواب بعد التسليم أن هذا لا يقدح في الاجتهاد، فكم مثله للمجتهدين.
و منها أنه شك عند موته في استحقاقه الإمامة حيث قال: وددت أني سألت رسول اللّه عن هذا الأمر فيمن هو؟ و كنا لا ننازعه أهله.
و الجواب أن هذا على تقدير صحته لا يدل على الشك، بل على عدم النص، و إن إمامته كانت بالبيعة و الاختيار، و أنه في طلب الحق بحيث يحاول أن لا يكتفي بذلك، بل يريد اتباع النص خاصة.
و منها أن عمر مع كونه وليه و ناصره قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه تعالى
[١] الحديث رواه الإمام الترمذي في كتاب الفرائض ١٠ باب ما جاء في ميراث الجدة ٢١٠٠- عن قبيصة بن ذؤيب قال و ذكره و رواه ابن ماجه في كتاب الفرائض ٤ باب ميراث الجدة ٢٧٢٤ بسنده عن قبيصة بن ذؤيب، و حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن ابن ذويب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه تسأله ميراثها فقال: و ذكره.