شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٠
الثالثة: أن العمدة في باب البعثة هي التكليف، و هو عبث لا يليق بالحكيم، إذ لا يشتمل على فائدة للعبد لكونه في حقه مضرة ناجزة و مشقة ظاهرة، و لا للمعبود لتعاليه عن الاستفادة و الانتفاع، و أيضا فيه شغل للقلب عما هو غاية الأعمال و نهاية الكمال، أعني الاستغراق في معرفته، و الغناء في عظمته، و الجواب: أن مضاره الناجزة قليلة جدا بالنسبة إلى منافعها الدنيوية و الأخروية الظاهرة لدى الواقفين على ظواهر الشريعة النبوية فضلا عن الكاشفين عن أسرارها الخفية، و إذا تأملتم فالتكليف صرف إلى ما ذكرتم لا شغل عنه على ما توهمتم.
الرابعة: و هي لأهل الخلاعة المنهمكين في اتباع الهوى و ترك الطاعة أنا نجد الشرائع مشتملة على أفعال و هيئات لا يشك في أن الصانع الحكيم لا يعتبرها و لا يأمر بها كما نشاهد في الحج، و الصلاة، و كغسل بعض الأعضاء لتلوث بعض آخر، إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عن قانون العقل، و الجواب: أنها أمور تعبدية اعتبرها الشارع ابتلاء للمكلفين، و تطويعا لنفوسهم و تأكيدا لملكة [١] امتثالهم الأوامر و النواهي. و لعل فيها حكما و مصالح لا يعلمها إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [٢] و قد أشار إليها بعض الخائضين في بحار أسرار الشريعة.
الخامسة: القدح في ثبوت المعجزة و وجه دلالتها و نقلها سيأتي بأجوبتها.
[١] الملكة: هي صفة راسخة في النفس، و تحقيقه أنه تحصل للنفس هيئة بسبب فعل من الأفعال، و يقال لتلك الهيئة كيفية نفسانية و تسمى حالة ما دامت سريعة الزوال فإذا تكررت و مارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها و صارت بطيئة الزوال فتصير ملكة، و بالقياس إلى ذلك الفعل عادة و خلقا.
[٢] سورة آل عمران آية رقم ٧ و تكملة الآية يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.