شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٧٠
إشارة إلى الدليل النقلي من الكتاب و تقريره أن قوله تعالى:
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ [١] نزلت باتفاق المفسرين في علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) حين أعطى السائل خاتمه و هو راكع في صلاته. و كلمة «إنما» للحصر بشهادة النقل و الاستعمال. و الولي كما جاء بمعنى الناصر فقد جاء بمعنى المتصرف، و الأولى و الأحق بذلك يقال: أخو المرأة وليها. و السلطان ولي من لا ولي له. و فلان ولي الدم. و هذا هو المراد هاهنا، لأن الولاية بمعنى النصرة تعم جميع المؤمنين لقوله تعالى: وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [٢] فلا يصح حصرها في المؤمنين الموصوفين بإقامة الصلاة، و إيتاء الزكاة حال الركوع. و المتصرف من المؤمنين في أمر الأمة يكون هو الإمام، فتعين علي (رضي اللّه عنه) لذلك إذ لم توجد هذه الصفات في غيره.
و الجواب منع كون الولي بمعنى المتصرف في أمر الدين و الدنيا. و الأحق بذلك على ما هو خاصة الإمام، بل الناصر و الموالي و المحب على ما يناسب ما قبل الآية و ما بعدها، و هو قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [٣].
فإن الحصر إنما يكون بإثبات ما نفى عن الغير. و ولاية اليهود و النصارى المنهى عن اتخاذها ليست هي التصرف و الإمامة، بل النصرة و المحبة، و قوله تعالى:
وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [٤]
[١] سورة المائدة آية رقم ٥٥.
[٢] سورة التوبة آية رقم ٧١ و تكملة الآية يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
[٣] سورة المائدة آية رقم ٥١.
[٤] سورة المائدة آية رقم ٥٦.