شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١١٦
معاين، و قيل: بل ما في القبر، و ما في الحشر، لأن المراد إحياء تعقبه معرفة ضرورية باللّه، و اعتراف بالذنوب. و أما قوله تعالى: وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [١].
فتمثيل لحال الكفرة بحال الموتى. و لا نزاع في أن الميت لا يسمع، و أما العقل فلأن اللذة و الألم و المسألة و التكلم، و نحو ذلك لا يتصور بدون العلم و الحياة، و لا حياة مع فساد البنية و بطلان المزاج. و لو سلم فإنا نرى الميت أو المقتول أو المصلوب يبقى مدة من غير تحرك و تكلم، و لا أثر تلذذ أو تألم، و ربما يدفن في صندوق أو لحد ضيق لا يتصور فيه جلوسه على ما ورد في الخبر، و ربما يذر على صدره كف من الذرة فترى باقية على حالها. بل ربما يأكله السباع أو تحرقه النار، فيصير رمادا تذروه الرياح في المشارق و المغارب. فكيف يعقل حياته و عذابه و سؤاله و جوابه؟ و تجويز ذلك سفسطة. و ليس بأبعد من تجويز حياة سرير الميت و كلامه، و تعذيب خشبة المصلوب و احتراقها. و نحن نراها بحالها.
و الجواب إجمالا- أن جميع ما ذكرتم استبعادات لا تنفي الإمكان كسائر خوارق العادات، و إذ قد أخبر الصادق بها، لزم التصديق. و تفصيلا- أنا لا نسلم اشتراط الحياة بالبنية، و لو سلم فيجوز أن يبقى من الأجزاء قدر ما يصلح بنية، و التعذيب و المسألة يجوز أن يكون للروح الذي هو أجسام لطيفة، او للأجزاء الأصلية الباقية، فلا يمتنع أن لا يشاهده الناظر، و لا أن يخفيه اللّه تعالى عن الإنس و الجن لحكمة لا اطلاع لنا عليها، و لا أن يتحقق مع كون الميت في بطون السباع.
و من قال: بالقادر المختار المحيي المميت لا يستبعد توسيع اللحد و الصندوق، و لا حفظ الذرة على صدر المتحرك، و القول بأن تجويز أمثال ذلك يفضي إلى السفسطة إنما يصح فيما لم يقم عليه الدليل، و لم يخبر به الصادق، و أما ما يقول به الصالحية و الكرامية من جواز التعذيب بدون الحياة، لأنها ليست شرطا للإدراك، و ابن الراوندي [٢] من أن الحياة موجودة في كل ميت، لأن الموت ليس
[١] سورة فاطر آية رقم ٢٢.
[٢] هو أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسن الراوندي أو ابن الراوندي، فيلسوف مجاهر بالإلحاد من-