شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٧٨
استدلال على إمامة علي (رضي اللّه تعالى عنه) بالقدح في إمامة الآخرين، و تقريره أنه لا نزاع في وجود إمام بعد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و غير علي من الجماعة الموسومين بذلك لا يصلح لذلك. أما إجمالا فلظلمهم لسبق كفرهم، لقوله تعالى: وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [١] و الظالم لا يكون إماما لقوله: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [٢] و الجواب منع المقدمتين و منع دلالة الآية على كون من كان كافرا ثم أسلم ظالما، و منع كون المراد بالعهد هو الإمامة، و أما تفصيلا فمما يقدح في إمامة أبي بكر (رضي اللّه تعالى عنه) أنه خالف كتاب اللّه تعالى في منع إرث النبي بخبر رواه:
و هو: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة [٣].
و تخصيص الكتاب إنما يجوز بالخبر المتواتر دون الآحاد.
و الجواب أن خبر الواحد، و إن كان ظني المتن قد يكون قطعي الدلالة، فيخصص به عام الكتاب لكونه ظني الدلالة، و إن كان قطعي المتن جمعا بين الدليلين، و تمام تحقيق ذلك في [٤] أصول الفقه. على أن الخبر المسموع من فم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) إن لم يكن فوق المتواتر، فلا خفاء في كونه بمنزلته. فيجوز للسامع المجتهد أن يخصص به عام الكتاب. و منها أنه منع فاطمة (رضي اللّه تعالى عنها) فدك و هي قرية بخيبر مع أنها ادعت أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد نحلها إياها، و وهبها منها، و شهد بذلك علي (رضي اللّه عنه)، و أم أيمن، فلم يصدقهم، و صدق أزواج النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) في ادعاء الحجرة لهن من غير شاهد. و مثل هذا الجور و الميل لا يليق بالإمام. و لهذا رد عمر بن عبد العزيز [٥] من المروانية فدك إلى أولاد فاطمة (رضي اللّه تعالى عنها).
[١] سورة البقرة آية رقم ٢٥٤.
[٢] سورة البقرة آية رقم ١٢٤.
[٣] الحديث رواه الإمام أحمد في المسند ٢: ٤٦٣- حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: و ذكره و فيه زيادة (ما تركت بعد مئونة عاملي و نفقة نسائي صدقة).
[٤] في (ب) بزيادة لفظ (كتب).
[٥] هو عمر بن العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي أبو حفص الخليفة الصالح، و الملك العادل، و ربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين تشبيها له بهم، و هو من ملوك الدولة المروانية ولد-