شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٢١
ذهابا إلى أن الأعمال أعراض لا يمكن وزنها، فكيف إذا زالت و تلاشت؟ بل المراد به العدل الثابت في كل شيء، و لذا ذكره بلفظ الجمع، و إلا فالميزان المشهور واحد. و قيل: هو الإدراك. فميزان الألوان البصر، و الأصوات السمع، و الطعوم الذوق، و كذا سائر الحواس. و ميزان المعقولات العلم و العقل.
و أجيب بأنه يوزن صحائف الأعمال. و قيل: بل تجعل الحسنات أجساما نورانية، و السيئات أجساما ظلمانية، و أما لفظ الجمع فللاستعظام، و قيل: لكل مكلف ميزان. و إنما الميزان الكبير واحد إظهارا لجلالة الأمر و عظمة المقام، و منها الحوض. قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [١].
و في الحديث: «حوضي مسيرة شهر، و زواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، و ريحه أطيب من المسك، و كيزانه أكثر من نجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا».
و قال الصحابة له (عليه السلام) أين نطلبك يوم الحشر؟ فقال: على الصراط. فإن لم تجدوا فعلى الميزان. فإن لم تجدوا فعلى الحوض.
[المبحث الثامن السعادة و الشقاوه فى الآخرة و مذهب المسلمين و الحكماء فيهما]
قال: المبحث الثامن- (ذهب المحققون من الحكماء إلى أن ما ورد في الشرع من تفاصيل أحوال الجنة و النار، و الثواب و العقاب تمثيل و تصوير لمراتب النفوس و أحوالها في السعادة و الشقاوة و لذاتها و آلامها، فإنها لا تفنى، بل تبقى ملتذة بكمالاتها [٢] فذلك ثوابها و جنانها، أو متألمة بنقصانها، فذلك عقابها و نيرانها، و إنما لم تتنبه لذلك في هذا العالم، لما بها من العلائق و العوائق الزائلة بالمفارقة و ليست شقاوتها سرمدية [٣] البتة، بل قد تتدرج من درجات الشقاوة إلى درجات السعادة. و إنما الشقاوة السرمدية هي الجهل المركب الراسخ، و الشرارة المضادة للملكة الفاضلة. و تفصيل ذلك أن فوات كمال النفس يكون إما لأمر
[١] سورة الكوثر آية رقم ١.
[٢] في (ب) بأحوالها بدلا من كمالاتها.
[٣] السرمدي: ما لا أول له و لا آخر.