شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٤٨
في المهد بعبودية نفسه، و ربوبية اللّه، لم يخل زمانا من التوحيد و الشرائع، و لم يلتفت إلى زخارف الدنيا، و لم يستمتع بلذاتها، و لم يدخر قوت يوم، و لم يسع في هلاك نفس، أو سبيها، أو استرقاقها، و لا في أخذ مال و لا ولد، و لا إيذاء لأحد، معجزاته من إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص أبهر المعجزات و أشهرها، ثم هو في السماء، و من زمرة الأحياء، و نبوته مما اتفق عليها ذو و الآراء، و اعترف بها خاتم الأنبياء.
و الجواب: أن البعض من ذلك حجة لنا و شاهد بفضل نبينا، كالولادة من المشركين و المشركات، و التربي في حجرهم، مع المواظبة على التوحيد و الطاعات، و كالإقبال على الجهاد، و قمع المشركين، و قهر أعداء الدين، و كالقيام بمصالح نظام العالم، مع الاستغراق في التوجه إلى جناب القدس. و أما معجزاته، فإنما اشتهر تلك الشهرة بإخبار من نبينا و كتابه، مع ذلك فأين هن من معجزاته؟ ثم الكون ميتا في الأرض أنفع للأمة من الكون حيا في السماء، حيث صارت الروضة المقدسة مهبطا للبركات، و مصعدا للدعوات، و موطنا للاجتماع على الطاعات ..
إلى غير ذلك من أنواع الخيرات .. و نبوة محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) مما نطق به العجماء، و شهد به رب الأرض و السماء و اتفق عليه من سبقه من الأنبياء، و خصائصه مما لا يضبطه العد و الإحصاء و قد أشرقت الأرض بنورها إشراق الشمس في كبد السماء. فصياح الخصماء نباح الكلاب في الليلة القمراء ..
قال خاتمة (معراج النبي صلى اللّه عليه و سلّم) إلى المسجد الأقصى ثابت بالكتاب [١] و هو في اليقظة و بالجسد بإجماع القرن الثاني، ثم إلى السماء بالخير المستفيض، ثم إلى الجنة أو إلى العرش أو إلى طرف العالم بخبر الواحد، و ما روي عن عائشة (رضي اللّه عنها) أنها قالت: و اللّه ما فقدت جسد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم). و عن معاوية أنها كانت رؤيا صالحة، لا يعارض ما ذكرنا على أنه لو ادعى المعراج للروح أو في المنام لما نكره الكفار غاية الإنكار).
[١] قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.