شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٨
الدواعي و عدم الصارف، و العلم بجميع ذلك قطعي كسائر العاديات، لا يقدح فيه احتمال انهم تركوا المعارضة مع القدرة عليها، أو عارضوا و لم ينقل إلينا لمانع، كعدم المبالاة و قلة الالتفات، و الاشتغال بالمهمات.
و أما المقام الثاني فالجمهور على أن إعجاز القرآن لكونه في الطبقة العليا من الفصاحة، و الدرجة القصوى من البلاغة على ما يعرفه فصحاء العرب [١] بسليقتهم، و علماء الفرق بمهارتهم في فن البيان، و إحاطتهم بأساليب الكلام.
و هذا مع اشتماله على الإخبار عن المغيبات الماضية و الآتية، كما سنذكره، و على دقائق العلوم الإلهية، و أحوال المبدأ و المعاد، و مكارم الأخلاق، و الإرشاد إلى فنون الحكمة العلمية و العملية، و المصالح الدينية و الدنيوية على ما يظهر للمتدبرين و يتجلى على المتفكرين، و ذهب النظام [٢] و كثير من المعتزلة و المرتضى من الشيعة إلى أن إعجازه بالصرفة، و هي أن اللّه صرف همم المتحدين عن معارضته مع قدرتهم عليها، و ذلك إما بسلب قدرهم، أو بسلب دواعيهم، أو بسلب العلوم التي لا بد منها في الإتيان بمثل القرآن. بمعنى أنها لم تكن حاصلة لهم، أو بمعنى أنها كانت حاصلة فأزالها اللّه. و هذا هو المختار عند المرتضى، و تحقيقه أنه كان عندهم العلم بنظم القرآن، و العلم بأنه كيف يؤلف كلام يساويه أو يدانيه. و المعتاد أن من كان عنده هذان العلمان يتمكن من الإتيان بالمثل، إلا أنهم كلما حاولوا ذلك، أزال اللّه تعالى عن قلوبهم تلك العلوم. و فيه نظر.
و احتجوا أولا بأنا نقطع بأن فصحاء العرب كانوا قادرين على التكلم بمثل
[١] في (ب) بزيادة لفظ (جميعهم)
[٢] هو إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري أبو اسحاق النظام من أئمة المعتزلة قال الجاحظ: الأوائل يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له فإن صح ذلك فأبو إسحاق من أولئك: تبحر في علوم الفلسفة، و اطلع على أكثر ما كتبه رجالها من طبيعيين و إلهيين، و انفرد بآراء خاصة تابعته فرقته من المعتزلة و سميت باسمه، و بين هذه الفرق و غيرها مناقشات طويلة، و قد ألفت كتب خاصة للرد على النظام و فيها تكفير له و تضليل أما شهرته بالنظام فأشياعه يقولون إنها من إجادته نظم الكلام، و خصومه يقولون إنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة، و في كتاب الفرق بين الفرق أن النظام عاشر في زمان شبابه قوما من الثنوية متأثر بهم توفي عام ٢٣١ ه