شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٣
قلنا: إن كانت «ما» موصولة فالقول بالتحقيق هو المعنى. و إن كانت مصدرية، فالقول إن حمل على اللفظ، فالثواب عليه لدلالته على وجود المعنى في النفس. و إن حمل على النفس، فهو نفس التصديق. و يدل على ما ذكرنا قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [١] حيث رتب على القول الخالي عن تصديق القلب العقاب بالنار. و المخالف أيضا لا يخالف في ذلك. و قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [٢].
حيث نفى الإيمان عمن أقر باللسان دون القلب.
و ثانيهما أن النبي (عليه السلام) و من بعده كانوا يكتفون من كل أحد بمجرد الإقرار و التلفظ بكلمتي الشهادة، حتى أن أسامة حين قتل من قال: «لا إله إلا اللّه» ذهابا إلى أنه لم يكن مصدقا بالقلب، أنكر عليه النبي (عليه السلام) و قال:
هلا شققت قلبه [٣]؟ و قال (عليه السلام): «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا:
لا إله إلا اللّه. فإذا قالوا ذلك، عصموا مني دماءهم و أموالهم» [٤].
قلنا: هذا في حق أحكام الدنيا، و إنما النزاع في أحكام الآخرة. و إذا تأملت فحديث أسامة لنا، لا علينا.
قال: المقام الثاني أن الإيمان (في الشرع لم ينقل إلى غير معنى التصديق، لأنه خلاف الأصل، و لأن العرب كانوا يتمثلون من غير استفسار و لا توقف إلا فيما يجب الإيمان به. و قد بين بقوله صلى اللّه عليه و سلّم: «الإيمان أن تؤمن باللّه ...» [٥] الحديث. غاية الأمر أنه خص بالتصديق بأمور مخصوصة. و معناه ما يعبر عنه بگرويدن و راستگوى داشتن،
[١] سورة النساء آية رقم ١٤٥.
[٢] سورة البقرة آية رقم ٨.
[٣] الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان ١٥٨ و أبو داود في الجهاد ٩٥ و ابن ماجه في الفتن ١ و أحمد بن حنبل في المسند ٤: ٤٣٩، ٥: ٢٠٧ (حلبى).
[٤] سبق تخريج هذا الحديث.
[٥] سبق تخريج هذا الحديث.